لم يتمكن المتحاورون في ندوة «ما بعد الصحوة العربية» التي عقدت في دبي أمس الأول بتنظيم من مؤسسة «كونراد أيناور» الألمانية للأبحاث من تحديد الكثير من النقاط المضيئة التي أنارت ما وصفوه بـ«حلكة الظلام العربي» سوى توجيه أناملهم إلى دبي التي اعتبروها الإنجاز العربي الوحيد الذي تحقق على الأرض على مدار عقود، فهي نجحت من وجهة نظر مشاركين في الندوة في إرساء نموذج متميز في النمو الاقتصادي.
بدأ الحوار ملتهبا وساخنا، عندما ألقى رئيس تحرير جريدة القدس العربي عبدالباري عطوان في مستهل النقاش سؤالاً حول الأسباب التي حدت بالغرب إلى التدخل عسكريا في ليبيا، في حين اكتفت السياسيات الغربية بدور المتفرج على ما يدور في دول أخرى كسوريا واليمن. وأجاب عن السؤال باستعراضه تجارب التدخل الغربي للإطاحة بالأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية، وحصر هذه النماذج في كل من العراق وأفغانستان، وخلص من هذه المقارنة إلى استنتاج مؤداه أن النفط الليبي هو المحرك الرئيسي للتدخل العسكري الغربي في ليبيا. ولم يكتف بهذا الاستنتاج. بل ذهب إلى حد سوق مقولة مفادها أن التدخل يعد بمثابة عقاب للعقيد الليبي معمر القذافي الذي أرتكب خطيئة إبرام عقود نفط مع دول تقع خارج نطاق العالم الغربي كالصين.
قلق على مصر
ولم يخف عطوان قلقه حيال مستقبل الثورات العربية، ولكنه زاد نبرته التفاؤلية عند حديثه حول ما ستؤول إليه الأوضاع في مصر، ولخص وجهة نظرة بتمييزه بين الأجلين القصير والطويل. وقدر أن مصر ستواجه الكثير من القلاقل والاضطرابات والمشاكل على الأجل القصير، ولكن على الأجل الطويل، من المتوقع أن تبرز مصر كبرازيل عربية أو نمر إفريقي بحكم ما تمتلكه من إمكانيات وموارد وطبقة وسطى عريضة متعلمة. ولكنه ذكر الحضور بأن مصر وتونس اللتين في أمس الحاجة للدعم لم يتضح لهما بعد ماهية الآلية التي بها ستقوم دول مجموعة الثماني بتنفيذ تعهداتها بخصوص دعم ثورتيهما بمبلغ قيمته 20 مليار دولار، وأن الحديث يدور في هذا الصدد حول اعتماد صندوق النقد الدولي كآلية لتقديم المساعدات.
رأي آخر
لم ترق هذه المداخلة لمدير الأبحاث مركز بروكينغز الدوحة شادي حامد الذي عرض منطقا ووجهة نظر معاكسة تماما مفادها أن التدخل العسكري الغربي في ليبيا كان لردع العقيد الليبي من ارتكاب مجازر وإبادة جماعية في المناطق الشرقية في ليبيا، وأن الدول الغربية حينذاك كانت في حالة اضطراب بشأن ما يمكن أن تفعله للحيلولة دون تنفيذ العقيد الليبي لتهديداته بالموت لشعبه في المنطقة الشرقية. وخالف كذلك عميد كلية دبي للإدارة الحكومية سابقا د. طارق يوسف وجهة نظر عطوان، مؤكداً أن الطبيعية القمعية هي التي حددت ردود الفعل حيال نظامه، إذ حانت آنذاك لحظة تعلقت فيها الأنظار إلى ما يمكن أن تقوم به الدول الغربية لحماية الشعب الليبي من آلة القمع العسكرية للنظام الليبي. ووجه سؤالا افتراضيا للمتحاورين حول ماهية السياسة التي سوف ينتهجها القذافي تجاه ثورتي مصر وليبيا، إذا ما كان في سدة الحكم بكامل لياقته وعنفوانه؟. وأجاب بقوله إن وجود القذافي في وضعية كهذه سيكون مصدرا للخطر والقلق بالنسبة لثورتي مصر وتونس.
نموذج دبي
واستشرف عميد كلية دبي للإدارة الحكومية د. طارق يوسف إمكانات بروز تكتل عربي يضم كلا من مصر وليبيا وتونس، قائلا إنه إذا ما استند هذا التكتل على أنظمة ديمقراطية تخضع للمحاسبة والمساءلة وتنهج سياسات الحوكمة الجيدة والشفافية، فإنه من المتوقع أن يكون هذا التكتل جاذبا للأموال والاستثمارات، وهو ما سيحقق الرخاء الاقتصادي لشعوب هذه المنطقة من العالم العربي.
وطفا على السطح نموذج دبي في التنمية لدى محاولة المتحاورين تحديد نقاط ارتكاز الصحوة العربية المقبلة، إذ اندفع د. طارق يوسف في محاولته تحديد النقاط المضيئة في المسيرة الحالية للعمل العربي إلى تذكير الحضور بأن هناك سجلا للإنجازات موجود فعلا على أرض الواقع في العالم العربي، رغم محدودية تلك الإنجازات، وان الإمارات بشكل عام ودبي على نحو خاص قدمت نموذجا اقتصاديا تنموياً ملهما للشعوب العربية التواقة للتغيير. الديمقراطية والإسلام
زاد الحوار سخونة لدى تطرق المتحدثين إلى إشكالية تتعلق بإمكانات التوفيق بين الديمقراطية والقيم الإسلامية.
وأخذت مدير مركز «غالوب أبوظبى» داليا مجاهد، زمام المبادرة بالرد قائلة إن البحوث والدراسات المسحية أظهرت أن القيم الديمقراطية مثلت رافدا من روافد الثقافية العربية والإسلامية وأنها شكلت مطلبا للشعوب العربية منذ سنوات طويلة مضت. كما أن الشعوب التي انتفضت على حكامها فقدت آلافا من أبنائها لتحقيق الحرية والديمقراطية، ومن ثم، فإن القضية المطروحة لا تتعلق بما إذا كانت الديمقراطية متوافقة مع القيم الإسلامية من عدمه، بل القضية المحورية هي الكيفية التي بها يمكن التغلب على العقبات التي تعترض التحول الديمقراطي في العالم العربي.