تزامناً مع مرور العالم العربي بظروف استثنائيّة غير مسبوقة، وفي غمرة التحوّلات الهائلة التي تطيح بأنظمة وتستولد أنظمة أخرى على أنقاضها، احتفل لبنان بالعيد الـ11 للتحرير والمقاومة، الذي تحقّق في 25 مايو 2000. إلا أن الحكومة اللبنانية الجديدة، والتي طال انتظارها، لا تزال في مهب المجهول رغم الإعلانات المتكررة عن إنفراجات تلوح في الأفق. وفي حين حضرت المقاومة الوطنية في ذكرى العيد باعتبارها قوة «منظومة» سياسية- ثقافية متكاملة، فإن ما نغّص الفرحة بهذه المناسبة، والتي تزامنت أيضاً مع الذكرى الرابعة لانتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، هو استمرار أزمة تشكيل الحكومة، بل تفاقمها، على وقع الخلافات المستفحلة بين الرئيسين ميشال سليمان ونجيب ميقاتي من جهة والنائب ميشال عون من جهة أخرى، حول مبادئ التأليف وكيفية اختيار الوزراء وتوزّع الحقائب، ما أوحى بأن الأزمة ما زالت تدور حول ذاتها في المربع الأول، وأنها لم تتجاوز بعد حدود أبجدية التشكيل التي يفترض أن تكون من البديهيات. ففي شهرها الخامس، لم تظهر بوادر ولادة حكومة ميقاتي، وظلّ الوضع مستقرّاً على المربع الأول، إلا إذا كانت الغرف المغلقة ترصد مشاورات لا يراد كشف مضامينها في انتظار نضوجها وتوصّلها الى جمع الكلمات المتفرّقة على ضفاف التأليف. لكن وفقا لما هو معلن، فإن المراقبة الصحافية المشدّدة على مداخل المقار الرئاسيّة لم تلتقط حركة فاعلة، فيما جاءت مواقف النائب ميشال عون أول من أمس لتعزّز المشهد السلبي، عندما قال إن «تكليف ميقاتي أصبح من الماضي»، وطالبه بألا يبني شعبية على حسابه (أي على حساب عون). وفيما نعى عون مساعي التأليف، أعادت كتلة «المستقبل» استنكار حالة المراوحة السلبية في عملية تأليف الحكومة، محمّلة قوى الأكثرية الجديدة مسؤولية هذا الفراغ. ودعت الكتلة الرئيس المكلّف إلى الالتزام الكامل بالآليات الدستورية لتأليف الحكومة، وعدم القبول بالسير في اتجاهات المواجهة التي تعمّق الانقسامات الداخلية. لافتةً إلى أنّ التطوّرات على الصعيد العربي والأزمة الداخلية تستدعيان التعجيل في التأليف. أما الرئيس سليمان، فهنّأ الشعب اللبناني والمقاومة بتحرير جنوب لبنان وبـ«إلحاق الهزيمة بالعدو الإسرائيلي وجعله يحسب الأمور جيداً قبل الإقدام على أي مغامرة أو حماقة». الى ذلك، وفيما لا يزال لبنان يغوص في الفراغ، في ظلّ التراجع حكومياً، يتقدّم الرئيس نبيه بري تشريعياً بخيار المطرقة الباحثة عن نصاب عادي، أي 65 نائباً، ليبدأ بهم حسب قول أحد مصادره لـ«البيان» عهد الحكم من داخل البرلمان، سواء ارتضى فقهاء الدستور أم خالفوا، ما دام الفقه القانوني أصبح وجهة نظر».