«سنعود يوماً» رسالة وجهها المئات من الأطفال الفلسطينيين إلى دولة الاحتلال الصهيوني، حينما فجروا مفاجأتهم بمحاولة العودة إلى مدنهم وقراهم والتي هجّر منها أهلهم، ليسقطوا نظرية خاطئة لطالما رددها الاحتلال بأن الصغار ينسون.
«البيان» التقت عدداً من الصبية المصابين برصاص الاحتلال الذي تصدى لمسيرة يوم الزحف في يوم الذكرى الـ 63 للنكبة بالرصاص بقصد القتل في مستشفى كمال عدوان، وكانت الشهادات التالية. فلم يكن الطفل عبدالمولى جمال أبوناموس في السابعة من عمره يرى أمامه سوى خيال جميل رسمه من حكايات جدته عن أرض ووطن كان يوماً سكناً لهم وأصبح اليوم محرما عليهم، لتدفعه البراءة إلى ذلك الحلم وقتما أتيحت له الفرصة.
حلم منشود
خطوات عبدالمولى إلى حلمه المنشود لم تكتمل فقد أوقفتها رصاصة صهيونية، ليعود محمولاً إلى أهله، فلم يستطع أن يصل إلى بئر السبع تلك المدينة التي هجرت عائلته منها منذ العام 48.
أما محمد العرابيد 19 عاماً، فرضع حب الوطن ليبقى مصراً على العودة إليه رغم انه لم يراه من قبل، إصرار محمد جاء بعد أن أصابته شظايا قذيفة مدفعية بالرأس واليد.
أشجار زيتون ودالية العنب وشجرة تين، هكذا وصف محمد لمراسل جريدة «البيان» الأرض الذي حدثه والده عنها، فيما لم يزل منها سوى مفتاح قديم ورثه عن جده. الزيتون والحمضيات تلك ذكريات لجده الطفل محمد باتت تشكل حدثا مهما في خيال هذا الطفل ليبقى من هذا كله مفتاح قديم ما زالت تحتفظ به تلك الجدة فيما يؤكد أن من يتمتع بحديث جدته فكيف عندما يجلس ويحضن تلك الأرض.
ويقول محمد في حديثه لـ «البيان»: «حضرت إلى هنا بعد أن اتفقت مع أصدقائي بسبب حبنا وعشقنا لبلادنا التي هجرنا منها خرجنا اليوم نتظاهر ولنصل أرضنا التي اغتصبت من أجدادنا». ويتابع القول بشيء من المرارة إن «الاحتلال يتمتع بخيرات بلادنا وعلى أرضنا وهنا المخيمات في غزة أصبحت البيوت فوق بعض من الازدحام السكاني في غزة، فكفى نريد أرضنا وبيوتنا التي هجّرنا منها».
ويضيف محمّد: «عرفت بيوم التظاهرة من الأصدقاء عن طريق الفيسبوك وتجمعنا وخرجنا سويا ولا اعرف ماذا حصل إلى أصحابي وأصدقائي حيث «أغمى عليا» وجدت نفسي في مستشفى كمال عدوان كما تراني... إن شاء الله اشفى وأكمل المشوار نريد ارض أجدادي التي دائما ما يتغنون لنا بها والتي طردوا منها». ويقول: «أتمنى أن ادفن بها عندما اكبر، جدي تمنىأن يدفن في بربرة ولكن لم يتحقق حلمة دفن في ارض غزة».
شرارة مولعة
أوهد شوقي أبوالجديان (16 عاماً)، أصيب في الرجل والكتف، يقول إن «هذه شرارة وأتمنى أن تبقى مولعة حتى نحقق أمانينا، لا يوجد مشكلة في إصابتنا ولا حتى أن نلقى الله بالاستشهاد المهم هو عودتنا إلى البلاد والأرض التي هجرنا منها». اوهد، الذي لم يتعلم وخرج من مدرسته وهجّر أهله من نجد، تمنى ان يكون عسكرياً يحرر بلاده. ويقول: «هذا ما تمناه الطفل ليحقق ما يتمنى». وهناك محمد يوسف الشاعر (22 عاماً)، اصابته في الكتف رصاصة متفجرة من قناص، وينتظر لإجراء العملية. ويقول: «إننى غير حزين بسبب إصابتي ولكن حزين وخائف من أن استشهد و لم تحقق أمنيتي وهي الجلوس ومشاهدة أرضنا في الرملة».
وعن ما جرى في صباح ذلك الأحد، يقول الشاعر: «كنت احمل العلم الفلسطيني وأطلق الجندي الإسرائيلي النار على يدي التي تحمل العلم.. كنت حزيناً لأنّ العلم وقع مني على الأرض بسبب شدة الإصابة. أقول للعالم وللفلسطينيين ان يخرجوا حتى تكون ثورة كبيرة وتحرر أرضنا».
أما مصطفى الكحلوت، من نعليا وإصابته في الرجل قال: «خرجت كباقي الشباب الذي يعشق أرضه ويعشق رائحتها وترابها». ويضيف: «الحمد لله على إصابتي، وها هي الرصاصة مدخل ومخرج كما قال لي الأطباء والدم الذي يسيل كله فداء للوطن ولله».
ازدحام في المستشفى
وفجأة دخلت الإسعافات للمستشفى محملة بمجموعة كبيرة من الأشبال حيث الرعشة الشديدة لديهم والصراخ والبكاء وأصبحت المستشفى ملآى بالمصابين. ومن كثرة الأعداد التي وصلت أصبح الأطباء يعالجون بعض المصابين على لأرض. يقول صدام أبوقمر (20 عاماً)، أحد المصابين بعدما أفاق من وجعه: «اقتربنا من الحدود ونحن نحمل الاعلام الفلسطينية وحاولنا الدخول ولكن فجأة خرج الجنود بإطلاق الغازات السامة لا نعرف ماذا جرى لنا، كلنا أصبحنا على الأرض ونرتعش ونشعر بالاختناق الشديد».
وليس بالمفاجأة الكبيرة أن تجد طفلاً مصاباً أو ممزقاً برصاص الإسرائيليين كان يلعب قرب بيته. لم ينس أطفال فلسطين وجع آبائهم وأجدادهم، الذين تجرعوا مرارة الطرد والتشريد، ليصبحوا بين ليلة وضحاها يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، فأصبحوا لاجئين بعد أن كانوا أصحاب الأرض.
