فصل جديد في الصراع العربي الإسرائيلي، سطر سطوره الأولى في ذكرى نكبة فلسطين، غير أنه فصل مختلف عن كل فصول تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي؛ لأن الذي يسطر حروفه هذه المرة هو الشعوب العربية وليست الحكومات العربية، ليؤكد أن نسائم ربيع الثورات العربية لن تتنسمه الشعوب التي ثارت لتحقيق الحرية والديمقراطية فقط، وإنما ستنسحب هذه النسائم إلى قضية العرب في كل مكان وفي كل زمان.
ففي اليوم الذي شهد إعلان الدولة العبرية على أنقاض الدولة الفلسطينية المغتصبة أراضيها، أعلن العرب أن الصراع لم ينته بعد، وأن الرهان الإسرائيلي على نسيان الأجيال الجديدة للقضية الفلسطينية ولحقوق الشعب الفلسطيني هو رهان خاسر، حيث خرج العرب في دول النطاق في سوريا والأردن ولبنان ومصر، وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، لتؤكد أن فلسطين هي قضية العرب جميعاً من المحيط إلى الخليج، وأن على إسرائيل أن تعيد التفكير ألف مرة في طرق ووسائل تعاطيها مع القضية الفلسطينية؛ لأن واقعاً جديداً تشهده المنطقة العربية، وعليها أن تعي ذلك جيداً قبل أن يجرفها طوفان الغضب العربي.
نجاح الثورات أطلق الطموحات
أكد مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية د. جمال عبدالجواد أن النجاح الذي حققته الثورات العربية في إسقاط نظم ووضع نظم أخرى أطلق طموحات الشعب الفلسطيني لإسقاط الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما أطلق أيضاً طموحات شعوب دول الجوار في مساعدة الشعب الفلسطيني على تحقيق حلمه في إقامة دولته الفلسطينية على كامل ترابه، وإزالة الاحتلال الإسرائيلي عن الأراضي العربية.
وأضاف الجواد أنه لاشك في أن إسرائيل تنظر بعين الريبة إلى الثورات العربية، وتتوجس منها خيفة، وهي ترى التغيير الكبير الذي طرأ على السياسة المصرية تجاه القضية الفلسطينية، وفي تعاطيها مع الحكومة الإسرائيلية، نفس الشيء بالنسبة للوضع في سوريا إذ تخشى إسرائيل من سقوط نظام بشار الأسد القائم، وتغيير الخريطة السياسية في سوريا مما ينعكس سلباً على طريقة إدارة الصراع الإسرائيلي السوري.
من جانبه يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة صلاح سالم أن فصلاً جديداً ومختلفاً في التاريخ العربي بدأ، مشيراً إلى أن هذا الفصل الجديد من التاريخ العربي يخص الشعوب العربية التي كسرت حاجز الخوف، متوقعاً أن يزيد الهبة العربية من أجل فلسطين، وتزداد فعالية وعنفواناً كلما زادت وتكررت الثورات في الدول العربية، لتصل إلى ثورة عربية شاملة ضد إسرائيل، قائلا: «الشعوب العربية العزل من السلاح يمكنها دخول فلسطين، ومعاقبة الحكومة الإسرائيلية على ما ترتكبه من جرائم في حق الفلسطينيين والعرب، فالشعوب عندما تثور لا يمكن أن يوقفها أحد».
مرحلة جديدة
ولفت إلى أن الهبة الشعبية العربية في ذكرى نكبة فلسطين، هي بداية مرحلة جديدة من الوعي العربي بقضاياه وهمومه القومية، مشددا على أن الشعوب العربية من الآن لن تنتظر مواقف حكوماتها التي قد تكون متخاذلة، وأنها ستأخذ بنفسها زمام المبادرة فيما هو قادم من أحداث.
وبشأن السيناريوهات التي قد تلجأ إليها إسرائيل لمعالجة ما حدث في ذكرى النكبة، قال سالم: «على المدى البعيد لابد وأن تعترف إسرائيل بالدولة الفلسطينية، وذلك إدراكاً منها بأن عصراً جديداً وعهداً جديداً قد بدأ وأن الشعوب العربية قد تغيرت بالفعل، وعليها أن تعي حجم هذه التغيرات التي طرأت على الشعوب العربية». وأعرب عن توقعه بأن تحاول اسرائيل التغلغل داخل الشعوب العربية ومحاولة التاثير فيها، وتحسين سياستها تجاه التعامل مع القضية الفلسطينية؛ لأنه لم يعد يجدي التعامل مع هذه التغيرات بأي نوع من السلاح أو العنف، مشيرا إلى موافقة حكومة نتانياهو على تحويل عائدات ضريبية تصل قيمتها إلى 86 مليون دولار إلى السلطة الفلسطينية هي خطوة في هذا الاتجاه في محاولة امتصاص الغضب الشعبي العربي، وعدم زيادة الاحتقان العربي، حتى لا ينفجر الموقف.
غضب بلغ الذروة
أما المفكر الفلسطيني عبدالقادر ياسين، فأرجع الهبة العربية غير المسبوقة في ذكرى النكبة، إلى أن الغضب العربي الفلسطيني قد بلغ ذروته، وأن الجزء الأكبر من هذا الغضب راجع إلى الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، وأفعاله الفظة تجاه العرب والفلسطينيين، كما أن جزءاً من هذا الغضب راجع إلى القيادات الفلسطينية نفسها وانقسامها وتشرذمها، وهو ما أدى إلى انفجار دول الطوق العربي والداخل الفلسطيني.
وأضاف ياسين أن ما من شك أن ما جرى داخل فلسطين وفي دول الطوق كان أحد محدداته الأساسية الثورات العربية المتلاحقة، والمد الثوري الذي تشهده الدول العربية، مشيرا إلى أن الشروط الذاتية للقيام بثورة فلسطينية عربية تعصف بإسرائيل لم تكتمل بعد، وأن المطلوب هو خلق جبهة فلسطينية موحدة على إجماع وطني، مؤكدا أن عندها وعندها فقط، يمكن أن تكون هناك ثورة فلسطينية مماثلة للثورات العربية قادرة على إقامة الدولة الفلسطينية وإزالة الغبن الواقع على الشعب الفلسطيني. وأوضح أن إسرائيل ستحاول خلال الفترة المقبلة تفجير اتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية الذي تم توقيعه مؤخراً بين الفصائل الفلسطينية لتجد الذريعة والمبرر للتهرب من أي التزامات أو استحقاقات ولضمان استمرار الصراع الفلسطيني الفلسطيني، كما ستحاول مواصلة الاعتداء على قطاع غزة، وتشديد الخناق على الضفة الغربية، وربما تعيد احتلال ممر صلاح الدين، المعروف إسرائيلياً بممر فلاديلفي.
