عادت منطقة إمبابة, وهي حي شعبي وعشوائي وفقير يقع في محافظة الجيزة المصرية, لتفرض نفسها من جديد على مقدمات نشرات الأخبار في الفضائيات وعناوين الصحف ووكالات الأنباء. بل إن إمبابة تحول إلى اسم علم في بيانات وزارات الخارجية حول العالم وبرقيات السفارات الأجنبية في مصر لحكوماتها، بعد حوادث طائفية دامية على اثر أشائعة زعمت أنه تم خطف فتاة أسلمت حديثا وتم احتجازها داخل إحدى كنائس المنطقة, مما اسفر مساء السبت الماضي عن مصرع 12 مصريا وجرح المئات بين مسلمين وأقباط.
وهكذا فإن هذه الأحداث الطائفية أعادت إلى الأذهان مرة أخرى اسم حي إمبابة؛ من جديد إلى دائرة الضوء لتصبح مرة أخرى وجهة لمندوبي وسائل الإعلام كما حدث في فترة التسعينات من القرن الماضي على يد شخصية أثارت الجدل في هذا الوقت، وهو جابر، الطبال التي تزعم إحدى الجماعات الإسلامية وفرض ما اعتبره أحكام الشريعة الإسلامية على المنطقة، بل إن أفراد الجماعة الموالين له قاموا بمنع الأفراح الشعبية التي كان أميرهم نفسه من قبل بطلا لفرقها، واعتبروا أن السكان الأقباط في إمبابة ذميون يجب أن يدفعوا الجزية حتى يحظوا بحماية «الأمير» جابر وجماعته!.
الرقم الصعب
تبقى إمبابة الاسم العلم في مصر الذي يثير مجموعة من المتناقضات السياسية والاجتماعية والاقتصادية أيضا. فإمبابة غابة من مبانٍ عشوائية أخفت تحتها شريطًا ضيقًا يقع على النيل. وكان الاسم في البداية «أمبوبة» ثم حرف إلى إمبابة، ثم تحولت تدريجيا إلى بؤرة تصدر للمناطق المحيطة بها المخدرات والبلطجية وعجزت أجهزة الأمن المصرية في جميع العصور عن فرض السيطرة الأمنية الكاملة عليها. فهي الرقم الصعب في كل الإحصائيات الرسمية المصرية.
وهي أرقام تستحق أن تدخل موسوعة «جينيس» لغرابتها، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار السياق الاجتماعي والاقتصادي للحي الذي يغلب على أهله البؤس وانخفاض معدلات الدخل إلى أرقام متدنية جدا، حيث يعيش فيه خليط غير متجانس من البشر الذين يعملون في مهن مختلفة. فمؤخرا أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر وهو جهاز حكومي أن نساء «إمبابة» أنجبن في عام واحد فقط 23 ألف مولود ليقفز هذا الحي بسكانه الى رقم قياسي هو مليون ومائة ألف نسمة. هذا العدد المليوني الذي يقطن حيًا واحدًا دفع المصريين إلى أن يطلقوا على الحي اسم «الصين الشعبية»؛ نظرا للفوضى الشديدة التي تعم هذا الحي الذي يعيش أبناؤه بدون أي بنية أساسية تقريبا.
أغان ولعبة
وعلى الرغم أن موقع إمبابة الجغرافي على الضفة الغربية لنهر النيل كان يؤهله لأن يكون حياً راقياً متميزاً، إلا أن موجات الهجرة من الريف، لاسيما من صعيد مصر، منذ خمسينات القرن الماضي إلى القاهرة قضت على فرصه يكون هذا الحي راقيًا أو حتى يحظى بخدمات مخططة مثل الصرف الصحي والمياه النظيفة. كما قضى الزحف العشوائي العمراني على ملامح الحي واختفت الأراضي الزراعية التي كانت تحيط به تحت وطأة العمارات والبيوت العشوائية.
وكما ظهر إمبابة في الأحداث ظهرت أيضا في الأعمال الفنية وظهرت شوارعها في أفلام شهيرة مثل «الكيت كات» و«دم الغزال» الذي يحكي قصة جابر الطبال، كما حاز الحي على نصيب الاسد في الاغنيات الشعبيةوعلى الرغم من كل هذا البؤس لحق «إمبابة» بعصر تقنية المعلومات، حيث انتشرت قبل فترة لعبة إلكترونية اسمها «حرب إمبابة» وعلى رغم أنها مأخوذة من لعبة أجنبية، إلا أنها خضعت للدبلجة باللهجة المصرية لتجري أحداثها في شوارع الحي. والطريف أن اللعبة اتخذت طابعاً جهادياً إسلامياً، وهو ما جعلها تنتشر بسرعة البرق.
