وسط انبهارها بالتفاصيل العسكرية لعملية أبوت اباد وإغداقها بالثناء الكبير على صاحب قرارها الرئيس اوباما، توقفت المداولات الأميركية وبكثير من القلق عند التداعيات المحتملة لمقتل بن لادن. فالحدث الذي ما زال وحتى إشعار آخر، يحتكر الأضواء والاهتمام في واشنطن، طوى مرحلة. لكنه طرح مهام وأسئلة وعلامات استفهام كثيرة، حساسة وخطيرة. وكلها مفتوحة على المجهول. تبدأ من الأمن وتحدياته، في الداخل والخارج مروراً بمواصلة المطاردة للقاعدة وانتهاء بعلاقة صعبة وبالغة الاحتقان مع باكستان.

مظاهر الحيطة والحذر من ردود فعل إرهابية، عكسته التدابير والإجراءات التي كانت بادية للعيان والتي اتخذت على أكثر من صعيد. فالتعاطي مع هذا الجانب ينطلق من مخاوف، يثيرها ما يعرف بـ «الخلايا النائمة». لكن أجواء الارتياح العام التي تعم الساحة، غطت على علامات التوتر. ولو من غير أن تلغيها. فالهواجس بشأن القاعدة ما زالت حاضرة. ربما تخلخلت المعادلة. لكن المواجهة باقية والخطر ما زال قائماً، وفق كافة التقديرات. ومن هنا التشديد الذي تكرر التعبير عنه، بخصوص أهمية مواصلة المطاردة للقيادات المتبقية والخلايا المتناثرة وشبه المستقلة. ولا يقلل المسئولون من قدر هذا التحدي بالرغم من الاعتقاد السائد بأن غياب بن لادن، الرمز والقيادة، من شأنه أن يترك إرباكات على عمليات التخطيط والتجنيد كما على تماسك التنظيم.

وإذا كانت هذه الهموم تحتل الواجهة المباشرة في واشنطن، فإن العلاقة المتدهورة مع إسلام أباد تمثل الصداع الأكبر. فهي باتت « مسمّمة » إلى حدّ بعيد، كما يصفها الأميركيون. وبخاصة في الآونة الأخيرة. ثم جاءت عملية يوم الأحدالماضي لتزيد الطين بلّة. طرحت أسئلة كثيرة لامست التهمة وأثارت النقمة على باكستان. وبالتحديد في الكونغرس الذي طالبها بـ«الإجابة عن أسئلة وأمور مطلوب توضيحها» من نوع تقديم تفسير لإقامة بن لادن في ضواحي العاصمة وبقرب مجمع عسكري باكستاني. ملابسات تبدو مرشحة لمفاقمة حالة التوتر المتزايد بين الجانبين، كما لزيادة التأزم داخل التركيبة السياسية الأمنية في باكستان «الواقفة على فوهة بركان»، كما يقول المحذرون الداعون إلى وجوب مداراتها نظراً لأهمية علاقة واشنطن معها ولخطورة أوضاعها إذا ما خرجت عن حدود السيطرة.

بموازاة هذه الجوانب التي تشغل واشنطن الآن، نال الشق السياسي الحصة الكبيرة من الحديث عن العملية. الرئيس أوباما كان المحور. فقد تعززت صورته وتحصّن وضعه بدرجة عالية. حتى باعتراف خصومه، ولو على مضض. تحققت له فرصة «فرصة استراتيجية عليه اغتنامها لمعالجة ملفات المنطقة ومنها عملية السلام»، على حدّ ما قال زبغنيو بريجنسكي، الذي شدّد على هذا الجانب وبما يشبه التحذير من خطورة تفويت اللحظة والاكتفاء بإزاحة بن لادن عن المسرح. هنا المحك ومربط الفرس.