رأى رئيس تحرير جريدة القاهرة المصرية صلاح عيسى أن النظام البرلماني الرئاسي هو الأنسب لمصر خلال الفترة السياسية المقبلة، حيث يقوض الصلاحيات المطلقة لرئيس الجمهورية، واصفاً النظام الرئاسي الذي اتبعته مصر طوال الحقبة الماضية منذ ثورة يوليو وحتى ‬25 يناير بأنه نظام «رئيس الحبس» حيث يعطي الرئيس سلطات واسعة في السلطة.

وقال عيسى خلال الندوة التي أقامتها الهيئة العامة للكتاب مؤخراً بمقر دار الكتب والوثائق المصرية تحت عنوان «ماذا نريد من الرئيس القادم؟»، إن حال نظام الجمهورية المختلطة التي تحمِّل رئيس الوزراء المسؤولية أمام البرلمان لها علاقة بتاريخ الصحافة في مصر، حيث كان يوجد في الصحيفة ما كان يسمى بـ«رئيس تحرير الحبس»، وهو الشخص الذي كان يتواجد بالصحف الحزبية ويتولى رئاستها قطب حزبي كبير، فعند وجود نظام دكتاتوري يقوم كل يوم بالتربص بالصحيفة للإيقاع برئيس تحريرها في جريمة نشر، فابتكرت الصحف الحزبية فكرة رئيس تحرير الحبس والذي غالبا ما كان محاميًا أو سياسيًا إلى جانب رئيس التحرير الفعلي، فعند وقوع أي جريمة نشر تأخذ النيابة رئيس تحرير الحبس للتحقيق معه وتحبسه احتياطًا ويظل رئيس التحرير الفعلي يدير شؤون الجريدة.

واعتبر عيسى أن ذلك التشبيه ينطبق على نظام الجمهورية المختلطة المتبع في مصر منذ ‬1974 وحتى إعلان إسقاط دستور ‬1981 في ‬2011، حيث إن «رئيس الحبس» هو رئيس الوزراء، بحسب عيسى، فهو من يحاسبه البرلمان وتنتقده الصحافة، بينما تكون السلطة بيد رئيس الجمهورية.

 

رمز للسيادة

وأوضح عيسى، أنه في حالة اختيار الصيغة البرلمانية الرئاسية أو المختلطة في الدستور الجديد ستكون سلطات الرئاسة واسعة؛ الأمر الذي يتطلب معرفة ما الذي نريده من الرئيس، وعلى ضوء ذلك يتم الاختيار بين المرشحين المطروحين للمنصب، أما في حالة الأخذ بنظام الجمهورية البرلمانية فإن رئيس الجمهورية سيكون رمزًا للسيادة يملك ولا يحكم مثل الملكيات الدستورية ويمارس سلطاته بواسطة وزرائه، وبالتالي لا يمارس أي سلطة من أي نوع إلا مجرد استقبال السفراء والرؤساء وتوديعهم، لكن رئيس الوزراء هو الذي سيمارس السلطات الفعلية في هذه الحالة.

وتابع أن تحقيق ذلك يتطلب انتخاب الحزب الذي سيختار رئيس الوزراء والذي يأتي في الجمهوريات البرلمانية ممثلا للأغلبية التي يفرزها البرلمان؛ لذلك فعند الإدلاء بالصوت في انتخابات مجلسي الشعب والشورى يجب أن يدرك الشعب أن الحزب الذي سيفوز بالأغلبية سيشكل الحكومة لإدارة شؤون البلاد.

 

سلطة ومسؤولية

وانتقد عيسى ما يردده البعض بأنهم لا يريدون انتماء الرئيس إلى حزب، مؤكدا ضرورة الفصل بين أن الحزب الوطني كان حزبًا فاسدًا وبين المطالبة برئيس جمهورية برلمانية، معربا عن عدم تقبله لإعادة تجربة الجمهورية الرئاسية وشبه الرئاسية التي عاشت فيها مصر ما يقرب من ‬60 عاما، مردفا القول إنه «آن الأوان أن ننتقل إلى تجربة جديدة وهي تجربة الجمهورية البرلمانية»، لافتا إلى عدم تحمسه إلى أي من مرشحي الرئاسة الحاليين، قائلاً: «كنت أؤيد عمرو موسى إلى أن أعلن تمسكه بالجمهورية الرئاسية».

 

معركة الدستور

وأبدى عيسى تخوفه من العودة إلى التصويت بالطريقة نفسها التي تعتمد على ما وصفهم بـ«البلطجية» وعدم وعي المواطنين الذي يجعل التصويت لأسباب فئوية أو دينية أو عرقية، محذرا مما وصفه «بمعركة وضع الدستور والصراع حول اختيار دولة دينية أم مدنية» وجمهورية رئاسية أم برلمانية قائلا، هناك خيارات أساسية أمام الشعب المصري مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأن هذا الشعب قام بثورة.

وأكد على ضرورة الاتفاق على مصطلح الدولة المدنية مشددا على أنها دولة ليست عسكرية أو دينية، معتبرا أن الدولة المدنية هي الدولة التي لا تنحاز حكومتها لتشريعات أو إجراءات تتخذ لمصالح فئوية لطائفة من شعبها.

ووجه عيسى نقده للإعلام قائلا، لقد وقعنا مرة أخرى في خطاب إعلامي يستهدف الإثارة والنميمة والانتقام من الحكام بنفس الوسائل التي كانوا ينتقمون بها من الشعوب، مشيرا إلى أن هذا الاهتمام المبالغ بالماضي وتصفية أوضاعه يجعلنا غير معنيين بالمستقبل. وناشد وسائل الإعلام أن يعطوا قضايا المستقبل والحاضر اهتمامًا أكبر.

 

المؤسسة العسكرية

وفي ما يتعلق بالمؤسسة العسكرية المصرية ومشاركتها في السلطة قال عيسى، إن ظلها لم يختفِ عن القرار السياسي في مصر رغم أنها اختفت عن الساحة عقب الصراع بين المشير عامر وجمال عبدالناصر وكذلك الصراع بين السادات وشركائه من ورثة عبدالناصر الذي حسم لصالح السادات، حتى في عهد مبارك استمر ظل هذه المؤسسة موجودا من خلال تسريبات عن الموقف من موضوع التوريث.

ومضى، أن نقطة الخطر التي دفعت بالإطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك هي اللحظة التي ظهر فيها أن أعمدة الدولة المصرية قد تكون في طريقها إلى التفكك وتلك هي اللحظة التي حسمت الخيارات على القمة؛ لأنه إذا استمر الوضع على ما كان عليه فلن يكون الخطر على نظام الحكم إنما على مكونات الدولة المصرية نفسها.