يبدو أن نغمة «على الرئيس الرحيل الآن»، التي ردّدتها إدارة أوباما أثناء الانتفاضة المصرية؛ قد انتقلت عدواها باتجاه صنعاء. الفارق أن القاهرة سمعتها آنذاك علناً، فيما العاصمة اليمنية سمعتها عبر القنوات الخاصة، حسب ما يتردّد في واشنطن. فيما بدأت أوساط وجهات لها تأثيرها على مطبخ القرار، تتحدث جهاراً عن ضرورة مخاطبة نظام الرئيس صالح بمثل هذه اللغة. الحاجة إليه لم تعصمه وتبعده عن مثل هذه الجرعة. قواعد اللعبة والأولويات تبدّلت.

تزايد زخم التظاهرات وسقوط المزيد من الضحايا المدنيين، فضلاً عن الانقسام المتفاقم في الجيش؛ كله تضافر لسحب البساط من تحت النظام. خاصة وأن هذا الانقسام أدّى مع المواجهات اليومية الدائرة، إلى تعطيل العمليات العسكرية الأميركية المشتركة ضدّ تنظيم القاعدة في اليمن.

مع أن الانتفاضة اليمنية التي اندلعت منذ شهرين، كانت بدواعيها ومطالبها وما واجهته من عنف كمثيلاتها في المنطقة؛ إلاّ أن إدارة أوباما تعاملت معها باهتمام فاتر في أحسن أحواله. كانت منحازة جهاراً، إلى نظام صنعاء. طالبته فقط بالكف عن استخدام القوة. لكنها لم تقترب من مطالبة الرئيس بالتنحي. لا بالتلميح ولا بالتصريح. لم تكن تستغني عن شراكته في حربها مع القاعدة، في اليمن وشبه الجزيرة.

بالرغم من تصاعد المواجهة وما بلغته مؤخراً من دموية، بقيت واشنطن ولغاية الأسبوع الفائت تغض النظر عما يجري.

وعلمت «البيان» من مصدر دبلوماسي مطلع بأن «الأميركيين شجعوا الرئيس صالح على الصمود في مكانه، بعد أن تناهى إليهم بأن قائد فرقة المدرعات الذي انشق عن السلطة له علاقات مع جهات سلفية».

لكن الصورة تغيرت. الأوضاع تكاد أن تخرج عن السيطرة. وثمة كلام كثير عن تسلل عناصر وقيادات عديدة من القاعدة إلى الساحة اليمنية. فهذه الأخيرة «أهم حتى من مصر في حسابات واشنطن الراهنة»، على حدّ ما يقول أحد المحللين المتابعين للمواجهة مع القاعدة فوق الساحة اليمنية. أولوية اليمن الآن باتت ضاغطة إلى حد التخوف من أن تتحول ساحة هذا البلد «إلى حرب ثالثة بعد العراق وأفغانستان»، حسب توقعات مساعد سابق كبير للرئيس بوش.

وربما كانت أولوية اليمن الآن، واحدة من الأسباب التي جعلت فكرة البحث عن حلّ سياسي في ليبيا - مرحلة انتقالية يتولاها واحد من أبناء القذافي - رائجة لدى أوساط أميركية مختلفة؛ ولو على سبيل جسّ النبض. وضع هذه الأزمة على نار خفيفة، يسمح بالالتفات المتوجب وبسرعة، نحو الوضع اليمني والعمل لتوفير شروط «عملية انتقال سلسة»؛ يقال: إنها باتت فعلاً قيد التشكيل.

العلاقات بين واشنطن وصنعاء، لم تصل مرة إلى حدود الأزمة؛ بالرغم من حالات الهبوط التي مرت بها. لكن منذ حادثة الطرد الملغوم في اكتوبر الماضي، الذي دخل طائرة في صنعاء متجهة إلى شيكاغو؛ بدأت علامات الاستفهام تطرح في واشنطن حول قدرة النظام على لعب دور فعال في الحرب مع القاعدة. شلل هذا الدور الآن أدى إلى ترجيح كفة «الرحيل الآن»، في واشنطن.