يبدو أن الأرض بما وسعت ضاقت على أهل غزة، ففيها يجاور الأحياء الأموات في سكنهم، عندما تراهم أول مرة، تعتقد أنهم زائرون لقراءة الفاتحة لأحد المتوفين، قبل أن تفاجأ أنهم مثل شواهد القبور يعيشون وسط المقابر، ويتمنون دعاء الأموات لهم بتغيير واقعهم الممتد منذ عشرات السنين.

إنهم العائلات الغزية التي لم تجد لها مأوى سوى المقابر بين الأموات، وتتزايد أعدادهم مع الزمن، رغم انتقال بعضهم من شبه حياة فوق الأرض، إلى موت ودفن تحتها دون تغير كبير في مكان الإقامة، عائلات تزاحم الموتى في قبورهم أو أن القبور تزاحمهم في منازلهم.. «البيان» تسللت إليهم وحاولت معرفة تفاصيل حياتهم.

عائلة كحيل هي واحدة من ‬45 عائلة تسكن المقابر، ما يقارب الخمسين عاما قضتها هذه العائلة بأجدادها في مقبرة الشيخ رضوان بغزة بلا أرض ولا بيوت كريمة ولا مال، يعمل أفرادها إما بجمع الحصى أو بدق الحديد ليحصلوا على ما لا يكفي لقوت يومهم، أما الأطفال فلا يفارقون المقابر، فالمفارقة المبكية هنا أن المقابر لهم ليست سكنا فقط، بل مصدر رزق أيضا فهم طوال اليوم ينتظرون زيارة الناس لموتاهم، كي يحصلوا منهم على صدقة قليلة، ويطلبوا ما يعرف هنا باسم «الرحمة» التي لا تتعدى القليل من المال أو بعض الأكل.

أبوصقر كحيل، رب العائلة المكونة من سبعة أبناء وجاء للسكن في المقبرة، بعد حرب ‬1967 قال انه يسكن هنا منذ كان طفلا ولا يرى فرقا بينه وبين الأموات سوى بنبض قلبه، مضيفا: «بعد أن هجرنا من أرضنا فلم نجد سوى هذه المقبرة للعيش فيها، ولم نكن نعرف أن بقاءنا هنا سيصل إلى خمسين عاما وربما تصبح أكثر، وربما سألحق والدي في القبر قبل أن أغادر هذا المكان».

تاريخ النكبات

فقر شديد، وبيوت بلا صحة، يتربى فيها أطفال تلك العائلات، ملعبهم وأرجوحتهم بين الشواهد ويلاحقون القطط والكلاب الضالة ولا تخيفهم العقارب والثعابين والحشرات المختلفة، فقد حرمتهم الحياة من كل شيء حتى مشاعر البراءة والطفولة.

يعود تاريخ سكن غالبية العائلات في مقابر غزة، إلى عشرات السنين تحديدا إلى عام ‬1948 عندما هاجر أهاليهم إلى غزة، أما بعض العائلات فهي حديثة السكن كالتي فقدت منازلها في الحرب الإسرائيلية أواخر عام ‬0802 وفي كلا الحالتين لا حلول حتى الآن تقدمها أي من الحكومتين، سواء في غزة أو الضفة.. موت آخر يحياه أولئك الساكنون في المقابر مع أحلام ضئيلة جدا وهموم ضاقت بها الدنيا ولا يسمعها سوى شواهد قبور الموتى.