تواصلت التقلبات في نتائج المعارك التي يخوضها الثوار ضد قوات العقيد معمر القذافي أمس بتراجعهم شرقاً تحت وابل القصف المكثف للنظام حيث أصبحت خطوط الجبهة على مشارف البريقة بعد أن تمكنت قوات القذافي من استعادة راس لانوف والبريقة، فيما استمر القصف بالصواريخ والدبابات على مدينة مصراتة (شرق طرابلس) غداة هجوم دام اسفر عن سقوط 18 قتيلاً ، في حين ذكرت تقارير حقوقية أن قوات القذافي زرعت ألغاما أرضية ضد الأفراد في المناطق التي انسحبت منها أمام الثوار.
وقال ثوار ان قواتهم انسحبت امس من بلدة راس لانوف النفطية بعد أن تقدمت قوات القذافي شرقا وقصفت مواقع المعارضة بالصواريخ. وأضاف اثنان من المعارضين المسلحين أن المعارضة انسحبت في حين قال ثالث ان القتال ما زال مستمرا في محيط البلدة. وقال أحد المعارضين لـ«رويترز» بعد الانسحاب من راس لانوف: «القذافي قصفنا بالصواريخ. دخل راس لانوف». وتابع هشام وهو من المعارضين :«كنا عند البوابة الغربية في راس لانوف وتعرضنا للقصف». ورأى شاهد من «رويترز» عددا من الشاحنات الصغيرة ذات الدفع الرباعي التابعة للمعارضين تتجه شرقا بعيدا عن راس لانوف. وقال مقاتل ثالث في المنطقة طلب عدم نشر اسمه :«هذه معركة كر وفر»، مضيفا ان الاشتباكات مستمرة حول راس لانوف.
ومنذ أن زحف مقاتلو المعارضة نحو سرت مسقط رأس القذافي يوم الاثنين الماضي أدت هجمات للقوات الحكومية الافضل تسليحا الى تقهقرهم أكثر من 150 كيلومترا نحو البريقة وهي بلدة نفطية الى الشرق من راس لانوف.
ارتباك وقصف
وتدفقت المئات من السيارات والشاحنات التابعة للمعارضين وعليها مدافع الية شرقا عبر البريقة في حالة من الارتباك. وقال مقاتلون انهم يفرون من قصف صاروخي من قوات القذافي. ومع تسارع التقهقر سمع مراسل لرويترز أصوات طائرات ثم سلسلة من الانفجارات المدوية قرب راس لانوف. وقال مقاتل يدعى أحمد عائد من راس لانوف لـ«رويترز» :«جاءت طائرات فرنسية وقصفت قوات القذافي».
وتقع راس لانوف على بعد 370 كيلومترا غرب بنغازي، معقل الثوار في شرق البلاد، وعلى بعد 210 كيلومترا من اجدابيا المدينة الاستراتيجية التي سقطت في 26 مارس في ايدي الثوار بدعم بالغارات الدولية.
وقال مصدر ان مقاتلين من الثوار كانوا يفرون بالمئات عائدين نحو الشرق وطلبوا من التحالف الدولي ضرب مواقع القذافي وهو ما لم يحصل خلال الليل. وقال احد المقاتلين ويدعى سلامة داديا لوكالة «فرانس برس» :«نحن قلقون جدا، ونحن نتراجع» فيما كانت مئات السيارات والحافلات تعبر بلدة على بعد 20 كيلومتر شرق راس لانوف في اتجاه البريقة.
قصف مصراتة
إلى ذلك، قصفت القوات الموالية للقذافي مجددا مصراتة بالمدفعية والصواريخ، وذلك غداة هجوم دام اسفر عن 18 قتيلا بحسب ناطق باسم الثوار وطبيب في مصراتة.
واعلن الناطق الذي رفض الكشف عن هويته ان «مصراتة تعرضت مجددا لهجمات قوات القذافي التي اطلقت عشوائيا قذائف دبابات وصواريخ على قطاعات عدة في المدينة».
واشار طبيب في مستشفى المدينة اتصلت به وكالة «فرانس برسش هاتفيا ان «18 شخصا قتلوا الثلاثاء» في هجوم قوات الموالية، من بينهم اربعة ينتمون الى الاسرة نفسها. وكان هذا الطبيب اكد أول امس الثلاثاء ان قوات القذافي قتلت 142 شخصا على الاقل واصابت اكثر من 1400 بجروح بين 18 و28 مارس في هجومها على مصراتة، ثالث اكبر المدن في ليبيا والتي تبعد 210 كلم شرق العاصمة. وكان نظام القذافي اشار مساء الاثنين الماضي الى انه وضع حدا لهجومه على الثوار في مصراتة حيث اعيد فرض «النظام»، بحسب وزارة الخارجية الليبية دون ان تحدد بوضوح ما اذا كانت القوات الموالية استعادت السيطرة على المدينة.
هجمات دموية
من جهته، اعلن الناطق باسم الثوار ان «النظام يكرر باستمرار انه اوقف اطلاق النار على مصراتة، في الوقت الذي اصبحت فيه هجماته الدموية امرا يوميا». واضاف :«ندعو الاسرة الدولية الى وقف المجزرة». وتابع :«نحن ممتنون للتحالف وخصوصا لفرنسا لتدخلها في ليبيا. مهمتهم هي حماية المدنيين، فليساعدونا اذن». وقال ان «الكنديين المكلفين مصراتة لا يقومون بمهمتهم. فهم يترددون في قصف دبابات القذافي داخل المدينة خوفا من اصابة المدنيين». واشار الى ان «الوضع الانساني في المدينة يتدهور يوما بعد يوم»، مضيفا ان ما لا يقل عن اربعة الاف اجنبي ينتظرون ان يتم اجلاؤهم من مرفا مصراتة.
ألغام أرضية
من جانب آخر، ذكرت منظمة «هيومان رايتس ووتش» المعنية بحقوق الانسان في تقرير لها أمس أن قوات العقيد الليبي معمر القذافي زرعت ألغاما أرضية خلال الصراع الجاري مع الثوار في البلاد.
وجاء في التقرير إنه تم العثور على ألغام مضادة للافراد وأخرى مضادة للمركبات على مشارف مدينة أجدابيا شرق ليبيا والتي سيطرت عليها قوات القذافي لعشرة أيام قبل أن يستعيد الثوار السيطرة عليها الاسبوع الماضي.
وجرى اكتشاف الالغام بعدما مرت شاحنة عليها وفجرت اثنين من الالغام المضادة للافراد التي وضعت تحت أبراج طاقة خارج أجدابيا الاثنين الماضي، وأشار التقرير الى أن فرق دفاع مدني قامت في وقت لاحق بتفجير العشرات من الالغام في المنطقة.
وقال مدير الطوارئ في «هيومان رايتس ووتش» بيتر بوكارت :«يجب على ليبيا التوقف فورا عن استخدام الالغام المضادة للافراد، التي تعتبر من أكثر الالغام المحظورة في العالم منذ سنوات». وقال التقرير إن الثوار في مدينة بنغازي شرق ليبيا تعهدوا بعدم استخدام الألغام الأرضية.
«نريد الفرنسيين»
وقال مقاتل اخر يدعى علي عطية الفتوري: «نريد ان يقصف الفرنسيون جنود» القذافي، فيما تكثفت النيران بالاسلحة الثقيلة والخفيفة. وقال مقاتل اخر قبيل سماع أصوات الطائرات قرب راس لانوف :«أين القوات الجوية الفرنسية.. لن نتمكن من الوصول الى سرت الا بمساعدة من القوات الجوية الفرنسية». وذكر مقاتلو المعارضة ان تفوق أسلحة قوات القذافي من حيث الكمية والمدى يمثل عائقا بالنسبة لهم. وقال عز الدين صالح :«قوات القذافي لديها صواريخ غراد التي يصل مداها الى 40 كيلومترا... اذا توفرت لدينا صواريخ غراد يمكن أن نحرر ليبيا في يوم واحد».
وتبدلت السيطرة في راس لانوف بين المعارضة وقوات القذافي أكثر من مرة خلال الشهر المنصرم في الوقت الذي يسعى فيه المقاتلون جاهدين للحفاظ على مكاسبهم بدون غارات جوية من الغرب. وعلى بعد ما بين 10 و15 كيلومترا الى الغرب من البريقة توقف أكثر من 10 من مقاتلي المعارضة على جانب الطريق وتدربوا على استخدام أسلحتهم في الصحراء.
التفاف الصحراء
وصاح أحد المقاتلين قائلا :«انهم (قوات القذافي) قادمون من الصحراء». وأطلق اخر النار من بندقيته الكلاشنيكوف في الهواء لابعاد مجموعة من الجمال. ولم يظهر مؤشر على أن المقاتلين يعيدون تنظيم صفوفهم في البريقة وقال أحدهم انه يعتزم الوصول الى اجدابيا اخر بلدة كبيرة قبل بنغازي معقل المعارضة.
ويبرز تراجع المقاتلين الذين يتحلون بالحماس غير انهم يفتقرون الى ما يكفي من الاسلحة مدى هشاشة مكاسبهم في وضع ربما ينذر بصراع طويل الامد. وقال المقاتل مفتاح محمد لـ«رويترز» :«نحتاج الضربات الجوية. اذا حدث قصف جوي اخر يمكن أن نصل الى مصراتة.. بنادق كلاشنيكوف.. قذائف صاروخية.. صواريخ خفيفة.. هذه هي أسلحتنا».
وقال شاهد عيان من رويترز ان عائلات ليبية فرت من بلدة اجدابيا نحو بنغازي. وقال مراسل رويترز ان طريق الخروج من أجدابيا كان مزدحما بالسيارات التي تقل عائلات ومعها امتعتها. وذكرت تقارير ان الفارين سمعوا أنباء عن سقوط البريقة في أيدي قوات القذافي.
