إذا كانت ثورة الياسمين التونسية وراء بقية الثورات العربية، وإذا كان محمد البوعزيزي مفجر ثورة 14 يناير، فإن فادية حمدي الفتاة التونسية التي تعمل شرطية تراتيب بلدية هي من تقف وراء كل ذلك.
تعود الحكاية إلى مدينة سيدي بوزيد التونسية الداخلية ذات الطبيعة الريفية وحيث كان الشاب محمد البوعزيزي (26 عاماً) يعمل بائعاً متجولاً للخضار والفواكه من على عربة مجرورة مثله مثل العشرات من أبناء المنطقة، ولأن القانون التونسي يمنع التجارة الهامشية والفوضوية، كان على أعوان التراتيب البلدية الوقوف بحزم أمام العربات المجرورة غير الخاضعة للرقابة ولا للأداءات .
والتي لا يكف التجار القرون من تقديم الشكاوى ضد أصحابها، وكان على فادية أن تقوم بواجبها في مطاردة البوعزيزي وزملائه تنفيذاً للقرارات البلدية. اسمها فادية بنت الطاهر الكيلاني عمرها 36 عاماً، عزباء، تعمل في دائرة التراتيب البلدية منذ 11 عاماً وتنتمي إلى نفس قبيلة البوعزيزي .
ولكن من عشيرة منافسة لعشيرته، وقد اختارت التخلي عن الزواج بسبب إعالتها لأسرة فقيرة، جل أفادها من العاطلين إضافة إلى أب مريض وأخ معوق. والدها قال لـ« البيان»: «ابنتي طيبة وهادئة ومحبوبة من الجميع، وما قيل عن إقدامها على صفع البوعزيزي لا أساس له من الصحة.
وكل ما حدث أن فادية تلقت صباح يوم الحادثة أمراً من مركز الولاية (المحافظة) بالاتجاه إلى محطة سيارات الأجرة (تاكسي) بالمدينة، لفض ظاهرة التجارة الفوضوية السائدة هناك، فذهبت لأداء عملها وهناك وجدت البوعزيزي أمام عربته فطلبت منه ترك المكان والبحث عن مكان آخر، خاصة وأن محطة سيارات الأجرة توجد أمام مقر الولاية مباشرة، ولكن البوعزيزي امتنع عن تنفيذ الأمر وتمسك بالبقاء في المكان نفسه». وأضاف الأب: «قامت ابنتي بحجز ميزان الخضر من البوعزيزي ثم إلى الاتصال هاتفياً برئيس مركز الأمن الذي سرعان ما حل بالمكان وقام بحجز عربة البوعزيزي، ومن هناك كان ما كان».
وما حدث بعد ذلك معروف لدى الجميع حيث تحول البوعزيزي إلى البلدية ثم إلى الولاية للتحدث إلى المسؤولين فلم يجد غير الصد، ما دفع به إلى إضرام النار في جسده يوم 17 ديسمبر الماضي
وينفي والد فادية بقوة أن تكون ابنته صفعت البوعزيزي: «هذه إشاعة لا غير، نساؤنا في هذه المنطقة لا يقدمن أبداً على عمل كهذا، وابنتي ذات أخلاق عالية وهي تحترم الجميع». ويضيف «أنا تألمت كثيرا لما حدث مع محمد البوعزيزي ولكنني لم افهم لماذا حاول المسؤولون في سيدي بوزيد التنصل من مسؤوليتهم وتحويل فادية إلى كبش فداء».
بعد ارتفاع نسق الاحتجاجات في سيدي بوزيد أرسل الرئيس المخلوع زين العابدين بن على لجنة تحقيق إلى المنطقة قامت باعتقال فادية حمدي على ذمة التحقيق، ثم أطلقت سراحها ولكن بعد ذلك أعيد إلقاء القبض على الفتاة لعرضها على المحاكمة وأكد والدها أن «رواج إشاعات حول صفع نادية للبوعزيزي جعلها عرضة للاعتقال مرة أخرى، هناك من يقول من أجل حمايتها وهناك من لا يصدق أنها بريئة.
ورغم إيماني ببراءتها، إلا أن تشويه صورتها بين التونسيين هو ما يؤلمني أكثر، دون أن يكلف أحد نفسه عناء البحث عن الحقيقة وعن دوافع النظام السابق للتضحية بها وبسمعتها في سبيل التنصل من مسؤولية ما حدث للبوعزيزي.
