من جديد تعيد إدارة الرئيس الاميركي باراك أوباما النظر بخياراتها في ليبيا. ظروف المواجهة ومحاذيرها وتعقيداتها، فضلاً عن معطيات الواقع التحالفي والعسكري فرضت ذلك. كل ما حققته الحملة الجوية حتى الآن أنها دمّرت الدفاعات الجوية الليبية وحالت دون مجزرة كانت على وشك الوقوع في بنغازي. لكن المهمة الأساسية المعلن منها والمضمر أبعد من ذلك. احتمالاتها، في ضوء تجربة أيامها الأولى؛ موضع جدل واسع في واشنطن بل هي أثارت الكثير من الشكوك وعلامات الاستفهام. الحماية للمدنيين، بحسب قرار مجلس الأمن، تحققت جزئياً في أحسن الأحوال. الضربات الجوية بصورتها وحدودها الراهنة لن تقوى في تقدير الخبراء العسكريين على توفيرها وفق المطلوب. وكذلك يردّد هؤلاء بأن الهدف الضمني، أي الخلاص من حكم العقيد، لا يبدو التفوق الجوي لوحده قادر على ترجمته.

توسيع وتفسير

يتطلب التوسع في تفسير وتنفيذ القرار الدولي: تمديد الحظر من جوّي إلى أرضي. من قصف الدفاعات الجوية إلى مطاردة قوات النظام وآلياته ومدرعاته من غطاء للمدنيين، إلى غطاء للمقاومة لكي تستأنف زحفها نحو الغرب. مثل هذا التمدد تعترض سبيله عقبات جمّة. التحالف تخلخل تماسكه الأولي. طبخته جرى إعدادها على عجل. وأوباما مستعجل أصلاً لترك المقعد الأمامي في الحملة الجوية وتركه لـ«الناتو» مع دول أخرى. وهذا غير متحمس ولا متوافق حول مثل هذا الدور. الإدارة تواجه تصاعد المآخذ والضغوط عليها، من جانب الكونغرس وبعض أوساط اليمين بزعم أنها دخلت في عملية عسكرية غير واضحة الغايات والمخارج. سقوط المقاتلة الأميركية ولو بخلل آلي زاد من الاستعجال. ثم أن الدول الكبرى، مثل روسيا والصين، بدأت تبدي تأففها من بوادر توسيع دائرة العملية. كل ذلك أدّى إلى طرح بدائل من بينها العودة إلى تعويم خيار تسليح المقاومة على الأقل لحماية الأرض التي تقف عليها إذا تعذرت إزالة العوائق أمام الحظر الأرضي وأصر العقيد على مواصلة المواجهة حتى النهاية. المدخل، يكون بالاعتراف بمرجعية رسمية في بنغازي لتلبية طلباتها العسكرية. خيار ألمح إليه أوباما في مقابلة صحافية خلال زيارته للسلفادور. كما أشارت إليه وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون مداورة في لقائها مع الصحافيين بعد اجتماعها مع وزير خارجية المغرب أول من أمس.

معادلة وتوابع

خيار من هذا النوع قد يبدو مفهوماً في ضوء الوقائع العنيدة على الأرض لكنه خطير إذا ما رسا على معادلة القذافي في الغرب محاصر ومعزول وبنغازي وتوابعها في الشرق، في منأى عن شرّه. لاسيما إذا طال هذا الوضع، بحيث يتكرس ليتحوّل إلى أمر واقع. ومثل هذا الإخراج ليس بعيداً عن تفكير بعض دوائر اليمين والمحافظين الجدد وغيرهم الذين يردّدون في كتاباتهم ومنابرهم بأن ليبيا أصلاً بلد «مزيّف» في تركيبته. وحتى بعض المسؤولين يلمّح أحياناً على احتمالات تغيير الخرائط السياسية في المنطقة. وزير الدفاع، غيتس، تسأل في دردشة صحافية، حول «ما إذا كان قيام حكم ديمقراطي في بلد ما في المنطقة، قادر على ضمان تماسكه» وعدم انفراطه في ضوء ضغوط الخلافات القائمة.