في محاضرة ألقاها أول أمس في مؤسسة كارنيغي للسلام في واشنطن، قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ السيناتور جون كيري: «أنا لا أعتقد بأن ما يحصل في بلد يمكنه التأثير على مجرى الأمور في بلد آخر»، في المنطقة. الحديث كان عن الانعكاسات التي تتركها نتائج المواجهة في ليبيا، في حال حسمها القذافي لصالحه. تعليله، أنه حتى لو حصل ذلك «فإن الأمور لن تعود إلى الوراء، بل ستواصل مسيرتها» في ذلك الجزء من العالم.
كلامه يبدو وكأنه جاء للتهوين من أمر التسليم باستعادة النظام الليبي السيطرة على البلاد، إذا تحوّل مثل هذا الاحتمال إلى واقع على الأرض. سيناريو لم يسبق أن أتى على ذكره مسؤول أميركي، منذ انفجار الأزمة. ولا حتى على سبيل الافتراض. النغمة كانت على النقيض. في دوائر وأوساط صنّاع القرار والرأي، في واشنطن.
كل المواقف تقاطعت عند ما سبق وقاله الرئيس أوباما بأن على الزعيم الليبي «أن يرحل». وهذا السيناتور بالذات، كان من أوائل الذين دعوا لفرض حظر جوي فوق ليبيا. حتى أنه أخذ على الرئيس أوباما تردّده في هذا الخصوص. علماً بأنه من أقرب المقربين إليه. الآن هو يرى أن الوقت ربما تأخر على مثل هذه الخطوة.
وفي ذات الوقت يقول إن كل الأوراق ما زالت على الطاولة وأنه تقدم مع آخرين من زملائه، بمشروع قرار، وإن غير ملزم، في مجلس الشيوخ يدعو إلى دعم انتفاضة ليبيا.
علامات الفتور الأميركي تجاه الوضع الليبي توالت بصورة متزايدة في الأيام الأخيرة. الرئيس أوباما يبدو وكأنه بلع عبارته بخصوص مصير العقيد. في مجلس الأمن، لم تنزل الإدارة بثقلها. لقاء الوزيرة كلينتون بأحد رموز المعارضة الليبية في باريس، لم يصدر عنه حتى بيان مقتضب، بعدما كانت راجت معلومات في واشنطن بأن الإدارة تتجه نحو خيار الاعتراف بالمجلس الوطني في بنغازي، كممثل شرعي للشعب الليبي وبما يفتح السبيل للتجاوب مع طلبه للمساعدة. ثم جاءت ملاحظة السيناتور، الذي بدا التراجع واضحاً في لهجته، لتؤشر ضمناً إلى أن كفة النأي عن هذه الساحة بدأت ترجح في واشنطن.
ويعزّز هذا الاستنتاج أن الجهات السياسية والإعلامية الأميركية التي دعت من البداية إلى اتخاذ موقف حازم من القذافي؛ صعّدت في اليومين الأخيرين من انتقاداتها لإدارة أوباما. وكأنها أدركت بأن هذه الأخيرة تكاد ترسو على خيار العزوف عن أي دور مباشر فعّال. يواكب هذه الأجواء كلام جانبي مثل أن قوات النظام الليبي قد لا تقوى على استرداد بنغازي وأن هناك خيارا آخر مطروح لتوجيه ضربات عسكرية محدودة لكن مركّزة للقوات الليبية؛ إذا واصلت زحفها شرقاً.
حتى الآن الواضح الوحيد في واشنطن، إزاء الأزمة الليبية؛ هو انعدام الوضوح. موقف الإدارة زئبقي في أحسن أحواله. وهكذا تقريباً وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» والكونغرس. الكلام أحياناً قوي، لكن الفعل بقي ومرجح أن يبقى، في حدود التهويل .