تبدو العاصمة الليبية طرابلس من الداخل مدينة تعيش حياة طبيعية هانئة، لولا أصوات الأعيرة النارية التي تتردد هنا وهناك خصوصاً بعد منتصف الليل. وصدى الأخبار الواردة عما يجري ليس في شرق البلاد فحسب بل في غربها أيضاً يقابل هنا بمسيرات مؤيدة للعقيد معمر القذافي تتركز في الساحة الخضراء، تبدو غالبيتها منظمة من قبل لجان مختصة، فالوجوه تكاد تكون هي ذاتها يومياً.

لكن هذا الهدوء الذي يميز العاصمة، لا يعكس سوى نصف الحقيقة التي يمكن تلمسها من خلال عمل الصحافيين، والذين هدد بعضهم بالقتل إن لم يستجيبوا لأوامر السلطات الليبية في تغطيتهم للأحداث التي تشهدها البلاد. وكانت طرابلس استضافت منذ نحو أسبوعين أكثر من مئة وخمسين صحافياً، غالبيتهم غربيون، يعملون منذ وصولهم على محاولة الفرار من سيطرة المرافقين «الإعلاميين» الذين يحددون مسار الرحلات المقررة لكل يوم، والتي ينبغي على الجميع الالتزام بها.

المنع من الخروج

يوم الجمعة الماضي قررت السلطات منع هذه الوفود من الخروج من فندق ركسوس الفاخر الذي يقيمون فيه على نفقة الحكومة، لكن بعضهم رفضوا الانصياع لهذه التعليمات، وخرجوا على مسؤوليتهم الشخصية ليتفرقوا في أنحاء العاصمة وعلى وجه الخصوص شرقها، حيث كان ثمة توقعات كبيرة بخروج تظاهرات في منطقة تاجوراء والفشلوم وسوق الجمعة، وهو ما حصل وتم قمعه سريعاً من قبل قوات الامن، لكن هذه المرة تم نقله على الهواء مباشرة عبر العديد من وسائل الإعلام.

وكانت هذه المناطق شهدت سقوط العديد من القتلى بعد بضعة أيام من اندلاع الاضطرابات في السابع عشر من الشهر الماضي. ويقول مراسل تلفزيون «بي.بي.سي - عربي» الزميل الصحافي فراس كيلاني الذي يوجد في طرابلس مع الوفود الإعلامية التي دخلت بدعوة من سيف الإسلام القذافي، إنه أوقف عند حاجز للجيش أثناء عودته من تغطية تظاهرات تاجوراء بعد صلاة الجمعة الماضية. ويؤكد فراس، في تصريحات إلى «البيان»، أنه اضطر «لاستخدام سيارة خاصة بأحد سكان الحي للهروب مع فريق التصوير من الساحة الرئيسية التي استهدفت بإطلاق كثيف للقنابل المسيلة للدموع»، لافتاً إلى أن تقديم أوراقه الثبوتية لم يحل دون قيام الجنود «بمصادرة شريط الكاميرا التلفزيونية وبطاقات الذاكرة الخاصة بأجهزة الخليوي والكاميرات الشخصية».

رحلة برقابة

لكن هذه التجربة لم تمنع مراسل «بي.بي.سي» ولا غيره من الإعلاميين الغربيين وقلة من العرب من الاستمرار في محاولة الهروب من قيود اللجنة الشعبية للاتصال الخارجي بشأن تغطية الأوضاع من العاصمة. وعلى اعتبار أن مدينة الزاوية الواقعة على بعد نحو ‬50 كيلومتراً غربي طرابلس هي الأقرب، فتوجهت أنظار الجميع إلى هناك.

وكانت اللجنة المشرفة على الإعلاميين نظمت رحلة للصحافيين إلى المدينة قبل نحو عشرة أيام للوقوف على حقيقة ما أكده سيف الإسلام القذافي من سيطرة من وصفهم بـ«الإرهابيين والأطفال على مركز المدينة، وتحكمهم بمختلف أنواع الأسلحة بما فيها الدبابات».

لكن محاولة الوصول إلى الزاوية لاحقاً باتت أشبه بالمهمة المستحيلة نتيجة كثافة حواجز الجيش التي تنتشر على طول الطريق.

ازداد استياء الأجهزة الأمنية من محاولات الإعلاميين الخروج وحدهم و«استباحة المدينة»، على حد تعبير أحد المرافقين الإعلاميين الذي يصفهم صحافي رفض الكشف عن اسمه بـ «المرافقين الأمنيين». وكنتيجة لهذا الاستياء تم التعرض للبعض منهم وتوقيفهم لساعات قبل أن يتم إعادتهم إلى الفندق الذي يقيمون فيه مع تحذيرات بأن المرات المقبلة ستكون أشد.

وربما كانت المصادفة هي ما وضعت مراسل «بي.بي.سي» مجدداً في موقف لا يحسد عليه خلال محاولته زيارة المدينة يوم الاثنين الماضي، حيث قادته الرحلة إلى دهاليز أجهزة الاستخبارات والجيش الليبي الذي يحفل بسجل لا يحسد عليه. إذ تم اقتياده من أحد حواجز الجيش الواقعة على طريق فرعي جنوبي الزاوية وتحديداً في منطقة الزهراء، إلى فرع يعرف باسم حاجز السابعة والعشرين، نسبة إلى المسافة التي يبعدها عن حدود العاصمة غرباً، وهناك بدأت القصة تنحو منحاً لم يكن يتوقعه على الإطلاق.

تحقيق وصراخ

ويقول فراس كيلاني لـ «البيان»: «في البداية كان التحقيق معنا، يجري بطريقة حسنة جداً، لكن الأمور سرعان ما ساءت مع وصول أحد المسؤولين برتبة نقيب إلى المكان وبدأ الصراخ والشتائم واتهام الإعلام بالتجسس والعمالة وبث الأخبار الكاذبة بشأن حقيقة ما يجري في البلاد». ويوضح أنه سرعان ما تطور الأمر إلى مشادة كلامية أدت لاقتياده وحيداً إلى خارج الغرفة التي كان يوجد فيها مع المصور والمرافق الأمني، حيث «انهال النقيب بمساعدة مجموعة من الجنود بالضرب على كامل أنحاء جسدي بعصا خشبية طويلة وبحذائه العسكري تارة وبيديه وركبتيه تارة أخرى». وبعد ذلك بقليل تم وضع الجميع في سيارة فان، وأَمر النقيب الحارس الذي رافق فريق «بي بي سي» بإطلاق النار على أي شخص يدلي بكلمة واحدة خلال الرحلة إلى منطقة لم يعلموا بها حتى بعد أن وصلوها.

تحت الرشاش

يؤكد مراسل (بي بي سي) بأنه خلال الطريق إلى هناك ظل الحارس يوجه بندقيته إليهم مباشرة، حتى وصلوا إلى مكان لا يوحي على الإطلاق بأنه قد يكون مركزاً للتوقيف أو الاستجواب. «سورٌ على ارتفاع مترين يحيط بقطة أرض تقارب الدونمين، تتضمن غرفتين أقيمتا على عجل، وثكنة من التوتياء، وسيارة كتلك التي يتم فيها نقل السجناء من مكان لآخر، أما المدخل فبوابة حديدية قد يعتقد من يمر بها بأنها تقود إلى مزرعة خاصة». في هذه المساحة الصغيرة، بحسب ما يؤكد مراسل «بي.بي.سي» بالإمكان الاطلاع على الكثير مما يجري في البلاد.

تم إنزال فريق «بي.بي.سي» المكون من المراسل الذي يحمل الجنسية الفلسطينية، والمرافق الأمني البريطاني، والمصور التركي، وعلى الفور بدأ مسلسل الرعب الذي لم يكن ليخطر على بال. تم تكبيل الجميع، الأيدي خلف الظهر، والساقين، ووضعت عدة طبقات من الأكياس على الوجوه مع شريط لاصق فوق الأكياس عند منطقة العينين، وذلك قبل أن يبدأ الاستجواب.

لم يضرب لا المرافق البريطاني ولا المصور التركي علماً أنهما فصلا عن مراسل «بي.بي.سي» الذي تعرف إليه أحد الجنود، لكن يبدو أن نصيبيهما من الضرب قد تلقاه هو، إذ يقول بأن الجنود انهالوا عليه بالضرب بأقدامهم وأياديهم وهو مكبل لا يرى ما يجري حوله لوقت طويل.

تجربة جديدة

ما ان انتهى مسلسل الرعب حتى تم نقل مراسل «بي.بي.سي» إلى الحجز، وهي ذاتها السيارة المخصصة لنقل الموقوفين والتي كانت جاثمة وسط هذه القطعة المجهولة من الأرض، وهناك كان على موعد مع تجربة جديدة. ويقول فراس بأن «السيارة كانت ممتلئة بالموقوفين، غالبيتهم من مدينة الزاوية، ومتهمين بالمشاركة في القتال ضد الجيش الليبي»، ويصف حالتهم بالمزرية بعد أيام على التعذيب، «كانوا مكبلي الأيدي والأرجل، وأكدوا أنهم لم يأكلوا منذ ثلاثة أيام، بعضهم كان يعاني كسوراً في عظم الصدر، آخرون كانوا مشوهي الأوجه، والكدمات تملأ أجساد الجميع».

ويقول فراس الذي استطاع تحرير يديه بعد تغيير مناوبة الجنود، بأنه أمضى حتى الساعة الثالثة صباحاً يعمل على «مساعدة هؤلاء المعتقلين تارة على شرب الماء وأخرى على إفراغه». مؤكداً أنه اضطر في بعض الأحيان إلى «جعل أحدهم يستلقي على قدميه لعدم قدرته على الركون إلى أرضية هذا القفص الحديدي في ليلة باردة جداً».ويوضح بأنهم أخبروه بالكثير من القصص التي لا يود روايتها حالياً لئلا تؤثر على وضعهم السيئ أصلاً.