برز في مجريات الوضع الميداني في شرق وغرب ليبيا تكتيكات جديدة للقوات الحكومية دفعت الثوار إلى التقهقر.

ومهدت القوات الموالية للزعيم الليبي معمر القذافي أمس لاستمرار تقدمها في مناطق شرق ليبيا التي يسيطر عليها الثوار بهجمات وقصف جوي على بلدة راس لانوف النفطية بعد يوم من استعادة القوات الحكومية بلدة بن جواد التي دفعت قصص الترويع التي تعرضت لها إلى فرار السكان من راس لانوف خوفاً من فظائع الموالين للقذافي. وبينما أكد الثوار نقلهم العتاد العسكري في شرق ليبيا إلى مناطق في الصحراء في تكتيكات جديدة وإعدادهم لخطط هجومية أطبقت قوات القذافي حصاراً محكماً على مدينة الزاوية (غرب) التي تعرضت للقصف مع تقارير عن إمهال القذافي قواته حتى غد الأربعاء لاستعادتها ضمن معركة عض الأصابع التي يخوضها.

واستهدفت ثلاث غارات جوية مرفأ راس لانوف الاستراتيجي النفطي (الذي يبعد ‬300 كيلومتر جنوب غرب بنغازي) وسيطر عليه الثوار الجمعة الماضي. واستهدفت الغارة الأولى ميناء راس لانوف النفطي الاستراتيجي شرق ليبيا، بينما رد عليها الثوار بقصف مدفعي مضاد للطيران. وقال مراسل وكالة «فرانس برس» في مركز مراقبة على الطريق الدائري الشرقي لراس لانوف انه شاهد انفجارا اعقبته سحابة من الدخان على بعد نحو كيلومترين شرق المدينة، في الصحراء.

 

غناء في الحرب

وعلى الاثر اطلقت ست قطع مدفعية منصوبة في مركز مراقبة قذائفها باتجاه السماء في حين اخذ الثوار يقفزون ويغنون. وقال مختار طبرق أحد المعارضين المسلحين الذي كان شاهدا على الغارة الجوية لوكالة «رويترز»: «كانت هناك طائرة. أطلقت صاروخين ولم يسقط قتلى». ووقعت الغارة الجوية عند واحدة من نقطتي تفتيش في المدينة. ولم يسقط ضحايا. وعند مرور الطائرة العسكرية يسمع اطلاق النار من كل الجهات من البطاريات المضادة للطيران الى قاذفات القنابل والاسلحة الرشاشة التي تستهدف الطائرات لكن بدون ان تصيبها.

وفي غارة ثانية قال مراسل «رويترز» من البلدة : «سمعت صوت طائرة ورأيت عمودا من الدخان نتيجة انفجار في منطقة راس لانوف». وشنت الطائرات الليبية الاحد غارتين على راس لانوف، التي يسيطر عليها الثوار منذ الجمعة، لكنهما لم يوقعا إصابات. وادت الغارات إلى إغلاق مرفأ راس لانوف النفطي وكذلك مرفأ البريقة.

 

مختبئون في منازل

من جهتها قالت حركة «شباب ليبيا» المعارضة إن كتائب القذافي داهمت مدينة راس لانوف الغنية بالنفط شرقي البلاد لمهاجمة الثوار ، بعد ما تردد حول اختبائها في منازل قرى مجاورة أمس.

وكانت قوات القذافي استعادت أول امس بن جواد البلدة الصغيرة التي وصل اليها الثوار بعد ظهر السبت على امل مواصلة طريقهم الى سرت التي تبعد حوالى مئة كيلومتر غربا. وذكر مراسل «فرانس برس» ان الثوار لم يعودوا منتشرين غرب راس لانوف على الطريق المؤدية الى بن جواد.

 

تقدم بري

وعلى صلة بالوضع الميداني ذكرت تقارير أن قوات القذافي تتقدم صوب مرفأ راس لانوف الواقع تحت سيطرة المحتجين. وذكر شهود عيان لـ«رويترز» أن القوات الليبية تتحرك عبر الطريق الساحلي الاستراتيجي شرقي بلدة بن جواد التي يوجد بها مجمع نفطي رئيسي.

وشاهد مراسل وكالة «رويترز» قوات القذافي على بعد نحو خمسة كيلومترات شرقي بن جواد مساء أول من أمس الاحد مما يشير الى أن قوات القذافي تتقدم ببطء ولكن بثبات. وقال أحمد العريبي وهو سائق لـ «رويترز»: «توجهت الى بن جواد وقبل أن أصل للبلدة بنحو ‬20 كيلومترا رأيت قوات القذافي وشاحنة كبيرة ومركبات تابعة للجيش ومقاتلة تتحرك ببطء في هذا الاتجاه». وأضاف سائق اخر يدعى خليفة سعد : «رأيت شاحنات للجيش وكنت على بعد نحو ‬20 كيلومترا من بن جواد» في حين ذكر شاهد اخر أن العديد من الشاحنات تتجه صوب راس لانوف.

وكانت السيطرة على راس لانوف مثلت انتصارا كبيرا للمحتجين يوم الجمعة الماضي الا أن تقدهم صوب بلدة سرت مسقط رأس القذافي على الطريق المؤدي الى طرابلس توقف عند بن جواد حيث تقهقر المحتجون اثر تعرضهم لهجوم بري وجوي.

 

أسلحة في الصحراء

من جهة أخرى لجأ الثوار في راس لانوف إلى تكتيك عسكري لتجنب تعرض مخازن الذخيرة على قصف من جانب طائرات القذافي من خلال نقلها إلى الصحراء.

وقال أحد المحتجين على الطريق السريع في راس لانوف: «سمعنا أن نقاطنا ستقصف ومن ثم أبعدنا أسلحتنا». وقال اخر: «أخذناها (الاسلحة) الى الصحراء». وقال محتج ثالث ان المعارضين المسلحين يعيدون الانتشار في الصحراء للاعداد لمحاولة لاستعادة بن جواد. وقبل ذلك بليلة كان بالامكان رؤية قادة المعارضة المسلحة يجلسون في بهو فندق راس لانوف ومعهم ورقة كبيرة عليها أسهم باللون الاحمر تشير الى مختلف الاتجاهات ويخططون لعملية عسكرية ما.

وقال قادة المعارضة المسلحة لـ«رويترز» ان قوات القذافي تعزز نفسها في سرت حيث يوجد أكثر من ‬20 ألف مقاتل. وذكروا أنه توجد في المدينة قوات الساعدي (ابن القذافي) التي تضم أربعة ألوية اضافة الى أفراد قبائل مسلحين.

 

النزوح.. والترويع

وبدأ سكان راس لانوف النزوح خوفا من هجمات للقوات الموالية للعقيد معمر القذافي.

وفي اقل من ربع ساعة، شاهد صحافيو «فرانس برس» صباح أمس عشرات السيارات عند مدخل المدينة متوجهة شرقا الى البريقة التي يسيطر عليها الثوار منذ الأسبوع الماضي.

وقال رب أسرة جلس ابناه على المقعد الخلفي للسيارة: «سمعنا انهم يعتقلون ويخطفون الناس وعلينا ان نرحل الآن». ويحاول بعض السكان التوجه غربا الى ما بعد بن جواد البلدة التي استعادتها القوات الموالية للزعيم الليبي، على الرغم من تحذيرات الثوار.

 

نداء: لا تذهبوا

وعلى طريق تجوب سيارة تطلق نداءات من مكبر للصوت: «لا تذهبوا الى الجبهة امام الجيش، النفط بين ايدينا»، في إشارة الى ان قرية بن جواد لا تستحق تضحية كهذه. وكان المحتجون عند نقاط التفتيش متوترين بدلا من الشعور بالثقة الذي كان سائدا بينهم من قبل وقالوا ان العائلات تفر من راس لانوف وبن جواد للابتعاد عن أي ضرر محتمل. وقال رب أسرة في سيارة مليئة بالمتعلقات: «نغادر ببساطة لأن ذلك سيكون أكثر أمانا بالنسبة لنا».

 

دروع القذافي مدنيون

من جانبهم اتهم محتجون كتائب القذافي باستخدام سكان بن جواد كدروع بشرية في القتال. وقال احمد فرج طير وهو من مدينة درنة شرق بنغازي انه كان مكلفا بالرماية على رشاش ثقيل من عيار ‬12,5 ملم على متن احدى الاليتين اللتين كانتا اول من دخل بن جواد ووقعتا تحت نيران قوات القذافي.

وروى احمد فرج وساقاه ملفوفتان بالجبس : «كنا ‬10 على متن سيارتين في المقدمة وما ان دخلنا بن جواد حتى وقعنا تحت قصف كثيف من اسطح المباني والسيارات فاصبنا كلنا» في إشارة إلى اختباء الموالين للنظام في منازل المدنيين.

واوضح انه «اصيب بثلاث رصاصات فسقط من السيارة بينما استمر تبادل اطلاق النار اكثر من ساعة حتى اتت التعزيزات». واكد انه كان مع الصحافي الفرنسي الذي اصيب ايضا في ساقه منوها «بشجاعته».

 

قصف الزاوية

وفي سياق الاضطرابات الميدانية ذكر موقع صحيفة «ليبيا اليوم» الالكتروني ان القصف تواصل أمس على منطقة الزاوية بشمال البلاد ،وان الثوار تمكنوا من تدمير دبابتين تابعتين للكتائب الأمنية لنظام العقيد معمر القذافي.

ويستحيل التحقق من صحة تلك الانباء اذ لم يعد ممكنا الاتصال بسكان المدينة الذين كانوا يتحدثون للصحافيين عبر الهواتف وبدا انه تم قطع اشارات الهواتف المحمولة في منطقة الزاوية.

وقال ناطق باسم المعارضة المسلحة لـ«رويترز» عبر الهاتف أول أمس ان الميليشيات المناهضة للقذافي تسيطر على ساحة الشهداء في وسط الزاوية وانها تمكنت من صد هجوم لكن لم يحدث اتصال مباشر منذ ذلك الحين.

 

قتال ضارٍ

وأفادت جماعة التضامن الليبية لحقوق الانسان ومقرها سويسرا وهي على اتصال بخصوم القذافي داخل ليبيا أن البلدة (الزاوية) شهدت قتالا ضاريا صباح أمس. وقالت الجماعة في بيان ارسل بالبريد الالكتروني ان المعارضة المسلحة تمكنت من أسر جنود موالين للقذافي : «اعترفوا ان لديهم تعليمات بضرورة استعادة السيطرة على المدينة قبل الاربعاء». وقال صحافي كان بالقرب من المدينة اليوم الاثنين انه سمع دوي قذائف مدفعية وشاهد دخانا يتصاعد فوق الزاوية.

 

تصفية المعتقلين

من جهة أخرى أشار الموقع (ليبيا اليوم) الى مواصلة «اعتقال الشباب في بن عاشور والمناطق الأخرى من طرابلس» وقال ان اثنين من المعتقلين تمت تصفيتهما. وأضاف: «يعتقد انه يتم قتل كل شخص يقبض عليه ويمنع تسليم الجثمان، إلا بعد التوقيع على إقرار ان الوفاة نتيجة مشاجرة».