يبدو أن الوضع الليبي في طريقه ليتحول إلى نسخة أخرى عن العراق، زمن الحصار والمقاطعة. وربما أخطر.
إدارة الرئيس الأميركي أوباما صعّدت من موقفها في هذا الاتجاه. انتقلت من خطاب العموميات والاكتفاء بالمطالبة «بضبط النفس والامتناع عن استخدام العنف»، إلى التلويح بأوراق أخرى عديدة تنظر في أمرها. ثم إلى الحديث صراحة عن فقدان النظام الليبي لشرعيته.
المسؤولون الأميركيون امتنعوا عن استعمال هذا التعبير حتى أمس الأول، عندما نطقت به الوزيرة كلينتون في جنيف. وقد جاء ذلك في سياق تدريجي، كان قرار مجلس الأمن للتضييق على نظام العقيد القذافي؛ أحد حلقاته الهامة. والآن تدفع واشنطن نحو فرض حظر جوي فوق الأراضي الليبية. «خيار قيد البحث»، على حدّ تعبير فيليب كراولي، الناطق الرسمي باسم الخارجية الأميركية. وذهب إلى أبعد من ذلك حين أضاف بأن حلف الناتو قد يكون الجهة المناسبة للقيام بهذه المهمة، بعد «الحصول على التفويض وتحديد قواعد الاشتباك». والأهم كان قوله بأن مثل هذا التفويض «قد يصدر عن الأمم المتحدة أو حتى عن الناتو لوحده؛ كما جرى في الحالة الصربية».
الرسالة واضحة: واشنطن تنوي السير في هذه الطريق بموافقة مجلس الأمن أو من دونها. ترافق هذا الخطاب مع تنامي الدعوات والضغوط، خصوصاً من جانب المحافظين، في الكونغرس وأوساط أهل الرأي وبعض الإعلام؛ بضرورة تسليح المعارضة الليبية.
أما من الناحية السياسية، فقد صدر عن الإدارة إشارات تبدو ملغومة. بأحسن أحوالها مشوشة عن عمد وبما يحمل على الارتياب وطرح علامات الاستفهام. في نفس الوقت الذي تقول فيه ان حكومة القذافي فقدت شرعيتها، تؤكد الخارجية أن الاتصال ما زال قائما مع الخارجية الليبية ومع القائم بالأعمال الليبي في واشنطن. تعليلها، أن «الوضع من الناحية القانونية لم يتغير، لكن الأمر مختلف من الناحية الثانية»! بموازاة ذلك، كشفت الخارجية بأن الإدارة تجري اتصالات ببعض قوى المعارضة داخل ليبيا.
وكان من الملفت أن هذا الاعتراف، على لسان المتحدث الرسمي، جاء بالتزامن تقريباً مع رواج الحديث عن احتمال «الإعلان من بنغازي عن قيام حكومة» لتسيير الأمور وإدارة شؤون المنطقة الخارجة عن سلطة النظام ولغاية حسم الوضع في طرابلس.
النية، حسب إيحاءات مختلفة، أن تقوم مثل هذه الحكومة ويتم الاعتراف بها، بحيث تكسب من الشرعية ما يخوّلها طلب الحماية الجوية المفتوحة على المزيد.
من حق الليبيين تأمين الحماية من فتك النظام. لكن الضمانة في أن تكون دولية وانتقالية ومحددة المهمة والمدة. الخشية، بخلافه، أن تتحول حكومة من هذا النوع إلى حكومة أمر واقع، قد يطول أمره ويتحول إلى تمزيق للبلد. خاصة إذا ما لعب النظام ورقة الفوضى عبر القبائل والمرتزقة وتصعيد العنف الدموي.