تحدى المتظاهرون تهديدات الزعيم الليبي معمر القذافي وخرجوا إلى شوارع العاصمة طرابلس، رغم المجزرة المستمرة التي ينفذها أنصار القذافي الذين اقتحموا منازل الأحياء التي تشهد الاحتجاجات وسط أجواء دموية، كما تلقى القذافي ضربة موجعة مع انشقاق رفيقه وزير الداخلية عبدالفتاح يونس العبيدي.

وبينما تتضارب التقارير حيال عدد ضحايا المجزرة المتواصلة في الأحياء السكنية في مدن عدة، أعلن مسؤول أمني ليبي أن حصيلة قتلى التظاهرات بلغت ‬300 قتيل (‬189 مدنياً و‬111 عسكريا!) مقابل تقارير تتحدث عن ‬10 آلاف قتيل، وتواترت تقارير عن انحسار هيمنة القذافي على البلاد مع امتداد شرارة الثورة إلى المناطق الغربية وفقدانه مصراتة، وكذلك جزءاً كبيراً من كتائب جيشه، إذ ذكرت تقارير أنه لا يسيطر سوى على خمسة آلاف جندي فقط، وأنه أمر ببدء تخريب المنشآت النفطية. وفيما يصارع القذافي على الحفاظ على الأجزاء الغربية من ليبيا، سقطت مدينة مصراتة بيد المحتجين لتلتحق بمدن شرق ليبيا التي تحطمت فيها طائرتان بعض رفض الطيارين أوامر بقصفها في اتساع لحركة التمرد على القذافي. واندلعت معركة بالأسلحة الثقيلة في العاصمة الليبية حيث اقتحمت قوات موالية لمعمر القذافي الشوارع بعد يوم من تعهد الزعيم بالدفاع عن حكمه، وطالب أنصاره باتخاذ إجراءات صارمة ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة.

«يريدون إحراقنا»

وقالت امرأة تعيش بالقرب من طرابلس إن إطلاقا كثيفا للنيران وقع أمس، حيث فتح مؤيدو القذافي والمسلحون المرتزقة من بلدان أخرى النار في الشوارع. وأضافت: «إننا تحت الحصار». وقالت إن الشوارع كانت خالية ولم يتمكن الجرحى من الذهاب إلى المستشفى خوفا من إطلاق النار عليهم. وأظهرت تسجيلات على موقع اليوتيوب المحتجين وهم يبنون كتلا اسمنتية ويضعون إطارات مشتعلة لتحصين مواقع في ميدان داخل العاصمة طرابلس. كما اظهر تسجيل آخر رجالا بزي الأمن يقتحمون منازل المحتجين وسط صرخات الذعر من شرفات المنازل، حيث تمكن البعض من تسجيل المشاهد بالتواري خلف النوافذ. وسمع صوت امرأة تصرخ: «يريدون إحراقنا». وقال شهود ان الاقتحامات جاءت على اوامر شخصية من القذافي الذي بدأ يشعر أنه فقد السلطة. وفي سائر انحاء المدينة اغلقت اغلبية المتاجر ابوابها وتشكلت صفوف انتظار طويلة امام المخابز ومحطات الوقود. وغابت الشرطة والجيش من حي قرقارش الذي يشمل السفارات في العاصمة.

وزير الداخلية مع الثورة

وفي سياق الانشقاقات، قالت قناة الجزيرة الفضائية ان وزير الداخلية عبدالفتاح يونس العبيدي اعلن انشقاقه عن الحكومة وتأييده «لثورة ‬17 فبراير». واذاعت القناة لقطات فيديو من تسجيل هاو يظهر فيها العبيدي جالسا الى مكتبه يقرأ بيانا يدعو الجيش الليبي كذلك الى الانضمام الى الشعب والاستجابة «لمطالبه العادلة». وقال العبيدي في بيانه: «أعلن أنا اللواء عبد الفتاح يونس العبيدي أنني تخليت عن جميع مناصبي استجابة لثورة ‬17 فبراير وذلك لقناعتي التامة بصدق مطالبهم العادلة». وحضّ «كل القوات المسلحة أن تكون في خدمة الشعب نصرةً لثورة ‬17 فبراير».

الصراع على الغرب

من جهته، قال ليبي مطلع على الفكر الرسمي، نعمان بن عثمان ان القذافي لم يكن يناور عندما توعد بالتصدي للاحتجاجات المتزايدة، مضيفا أنه سيفعل «كل ما يمكنه» للاحتفاظ بسيطرته على العاصمة.

وقال بن عثمان «أعتقد حقا أنه سيقوم بمذبحة أخرى لتعزيز موقفه». ومضى يقول «سيفعل كل ما يمكنه للسيطرة على الاجزاء الغربية من البلاد. سيبقى يحارب حتى آخر يوم». وذكر أن السيطرة على الغرب هي الهدف الاساسي الحالي للقذافي بعد أن أصبح الشرق غير خاضع لسيطرته وسقوطه، فيما يبدو في أيدي المحتجين المناهضين للحكومة. ومن أجل ذلك سيتعين عليه اقناع القوات الامنية المتمركزة في المحافظات الغربية بأنه ما زال متحكما في العاصمة.

مصراتة في يد المحتجين

في هذه الأثناء، استولت المعارضة وأحكمت سيطرتها على مدينة مصراتة، حيث قال شهود عيان إن الناس أطلقوا أبواق سياراتهم ورفعوا علم البلاد في الحقبة التي سبقت حقبة معمر القذافي احتفالا. وباتت مصراتة أول مدينة رئيسية غربي البلاد تقع في أيدي القوات المناهضة للحكومة، والتي تركزت حركتهم بشكل رئيسي في الشرق. وقال فرج المصراتي، وهو طبيب محلي، إن ستة مواطنين قتلوا وأصيب ‬200 آخرين منذ ‬18 من فبراير عندما هاجم متظاهرون مكاتب ومباني تابعة لنظام القذافي. وقال إن السكان شكلوا لجانا لحماية المدينة وتنظيف الشوارع ومعالجة الجرحى. واضاف في مكالمة هاتفية «التضامن بين الناس هنا أمر مذهل، فحتى المعاقون يقدمون المساعدة». ونشر تسجيل مصور من قبل المعارضة الليبية على موقع «فيسبوك» يظهر عشرات المحتجين المناهضين للحكومة وهم يرفعون العلم الملكي الذي كان قبل عهد القذافي، فوق مبنى في مدينة الزاوية، الواقعة على مشارف طرابلس.

تخريب منشآت النفط

في الأثناء، قال مصدر ليبي مطّلع إن القذافي أمر قوات الأمن ببدء تخريب المنشآت النفطية، وأنه هدد بتحويل ليبيا إلى صومال آخر.

ونقلت مجلة «تايم» الأميركية عن المصدر أن القذافي أمر قواته بأن تبدأ بتفجير عدة أنابيب نفط وقطع ضخه إلى موانئ البحر المتوسط، موضحاً ان «التخريب يعني بعث رسالة إلى العشائر الليبية المتمردة مفادها: إما أنا أو الفوضى».

وذكّرت المجلة بأن القذافي كان أبلغها في مقابلة حصرية أن الانتفاضات في تونس ومصر لن تبلغ ليبيا أبداً، قائلاً إن لديه سلطة محكمة على العشائر الأساسية في البلاد التي أبقته في الحكم طوال الـ‬41 عاماً الماضية.

فقدان الولاء

وقال المصدر ان «يأس» القذافي له علاقة بأنه لا يمكنه الاتكال سوى على ولاء عشيرته، أي القذاذفة، خصوصاً انه حتى الاثنين الماضي لم يعد لديه ولاء سوى على ‬5000 جندي في الجيش الليبي الذي يبلغ عديده ‬45 ألف جندي. وأوضح ان الموالين له في الجيش الآن هم قوات النخبة والضباط الذين اختارهم بنفسه وبينهم الوحدة التي يقودها نجله الأصغر خميس. وفي إطار الخطة ذاتها لقلب الطاولة، أمر القذافي بإطلاق سراح السجناء المقاتلين الإسلاميين، آملاً بأن يتحركوا من تلقاء أنفسهم لنشر الفوضى في أنحاء البلاد، ويتصوّر القذافي أن يقوم هؤلاء بمهاجمة الأجانب والعشائر المتمردة.

طبرق هادئة

وفي طبرق (شرق)، وقف رجال يرتدون الزي العسكري في الطريق الرئيسي لتوجيه حركة المرور. وقالوا ان ولاءهم لم يعد للزعيم الذي ظل يحكم البلاد طوال ‬41 عاما. وقال فايز حسين محمد «الطعام متاح.. الصيدليات مفتوحة، المستشفيات مفتوحة، كل شيء مفتوح، الجميع قدم يد المساعدة، شباب، مسنون، رجال ونساء».

رفض القصف

من جهة آخرى، سقطت طائرة حربية ليبية جنوب غرب مدينة بنغازي بشرق ليبيا بعدما رفض طياراها قصف المدينة. ونقل الموقع الالكتروني لصحيفة «قورينا» التي تصدر من بنغازي عن مصدر عسكري بغرفة عمليات قاعدة بنينا الجوية، قوله ان طائرة حربية من طراز «سوخوي ‬22» روسية الصنع، وقعت اليوم غرب مدينة اجدابيا على بعد ‬160 كيلومترا جنوب غرب بنغازي. وأضاف المصدر وهو ضابط برتبة عقيد أن «الطائرة وقعت بعد أن رفض قائدها ومعاونه عبد السلام عطية العبدلي وعلي عمر القذافي تنفيذ أمر لقصف مدينة بنغازي». وأشار الى ان الطيار ومساعده خرجا من الطائرة بواسطة المظلات.