«الشرطة في خدمة الشعب.. والشرطة والشعب في خدمة الوطن» شعار لم يفلح في إزالة الصورة السلبية لرجال الشرطة في عيون المصريين، التي ترسخت على مدار عقود مضت كانت الشرطة خلالها تقوم بممارسة القهر والتعذيب والفساد والمحسوبية، قبل أن تزداد الصورة سوءاً خلال الأسابيع القليلة الماضية بقيام الشرطة بقتل عدد كبير من المتظاهرين خلال مظاهرات ‬25 يناير والانسحاب من مواقعهم تاركين الشوارع للفوضى و«البلطجية».

لكن مع خروج عشرات الآلاف من رجال الشرطة على اختلاف رتبهم ودرجاتهم يبرئون أنفسهم من هذه الممارسات، مطالبين بفتح صفحة جديدة مع الشعب يبرز التساؤل عن ملامح الصورة الجديدة بين الشعب والشرطة، وصولا إلى علاقة إيجابية بين الشعب وجهازه الأمني المسئول عن حمايته؟ تساؤل طرحناه على رجل الشارع والتفاصيل في السطور التالية:

شهادات الشارع

محمد الحسن محمد، يرى أن مشكلته مع هذا الجهاز الأمني تتمثل في نظرة التعالي من رجل الشرطة للمواطن، وما يتعرض له الأخير عند دخوله القسم شاكياً أو مشكواً، من مهانة وإذلال، وقال «نحن كمواطنين نعترف بدور الشرطة في تأمين البلاد، ولكن موقفها من تظاهرات الشباب السلمية وضربهم بالذخيرة الحية والهراوات ثم انسحابهم فجأة وفي ظروف صعبة من الشوارع جعل الكثير من المواطنين يأخذون موقفا تجاهها، ولكن مهما كان الخلاف لا بد من معالجة الأمر وسن قوانين تدين أي تجاوزات للشرطة في تعاملها مع المواطن وتعاقب المتجاوزين»

أما محاسن السيد إسماعيل، فتقول «أنا غاضبة جداً من موقف البعض تجاه الشرطة رغم موقفهم من المتظاهرين، ولكن أغلب هؤلاء لا يد لهم فيما حدث، فعندما يصدر لهم الأمر بالضرب يضربون، ولذلك لا بد أن يتحد الشعب ويضغط على المسئولين؛ لتغيير قوانين الشرطة؛ لأن هؤلاء يعملون وفق سياسة معلنة ومعلومة لديهم، ولكن هذا لا يعني عدم معاقبة كل من تجاوز في حق المتظاهرين»

وتروي محاسن تجربة لها فتقول «ذهبت قبل شهرين إلى قسم الشرطة التابع للمنطقة التي أقطن فيها، بعد أن علمت أن ابني الكبير ‬16 سنة دخل في مشاجرة مع أحد زملائه الذي يسكن بعيداً عن منطقتنا، وبمجرد دخولي تعامل معي ضابط برتبة ملازم بشكل مستفز ومهين فدخلت معه في مناقشة شديدة حسمها هو بسلطته بإخراجي من القسم، ولكن هذا لم يغير من نظرتي لدور الشرطة، بل غير من نظرتي تجاه النظام؛ لأنه هو الذي يضع القوانين، ويوجه رجال الشرطة بشكل صارم».

التماس العذر

وفي سياق متصل يرفض الشاب مدحت سالم، الموقف المتشدد من المواطن ضد الشرطة خلال الفترة الأخيرة، وقال «هو موقف نابع من ظروف محددة لاحظت فيها كثيرًا من الحماس والاندفاع»، وتابع «أنا من صناع ثورة ‬25 يناير منذ بداياتها وتعرضت لقسوة التعامل الأمني تجاه موقفنا السلمي الذي كان يدعو للإصلاح، وبفعل تصرفات وقسوة رجال الشرطة تحولت المظاهرات من الدعوة للإصلاح إلى تغيير النظام، ولكن من وجهة نظري أرى أن سلوك الشرطة العنيف معنا كان يعبر عن نظام وليس عن جهاز؛ لأن هؤلاء نفذوا أوامر قيادة سياسية وهذا يحدث في كل بلد في العالم، ولذلك ليس من المفترض أن تكون هناك مشكلة بين الشعب والشرطة؛ لأنه بتغيير النظام تتغير سياسة الشرطة، وأيضاً من دون الشرطة لا يمكن أن نتحدث عن أمن للمواطن».

العين الساهرة

ومن الجانب الثاني يعترض عدد من ضباط الشرطة ومن بينهم متقاعدون على أي محاولة لخلق حالة من العداء بين الشرطة والشعب، واعتبروا أن استمرار ذلك ينذر بمخاطر عديدة.. ويقول أحد هؤلاء الضباط ويدعى محمد ناجي، إن «الشرطة ستظل هي صمام الأمان لكل المواطنين».

وأشار ضابط برتبة عقيد رفض ذكر اسمه، أن الشرطة في الحقيقة هي عين الشعب الساهرة ويقول: «نحن نسهر طوال الليل لحماية المواطنين، ولذلك لا بد من العمل على استعادة الثقة بين الشعب والشرطة، وما حدث تجاوزات شخصية من بعض المسؤولين وكبار الضباط، فكان لابد أن ينفذوا التعليمات، لكن إذا نظرنا للأمر نجد أن كثيرًا من رجال الشرطة دفعوا الثمن موتاً أو إصابات أيضاً، وليس بالضرورة أن تكون معاركهم مع المواطنين المتظاهرين مقصودة، ولكن جاءت حسب سياسة الوزارة التي تقوم على قمع المواطنين الذين يعارضون سياسات النظام».

وأكد أنه من الأهمية استعادة الثقة بين المواطن والشرطة خلال الفترة المقبلة، مؤكدا أن الشرطة تريد التغيير، يقينا منها بأنها لا تحمي الأنظمة، ولكنها تحمي الشعب، ويكفي أن الشرطة خرجت في تظاهرات تشكو الظلم، وهذا دليل على أن الشرطة مثلها مثل باقي قطاعات المجتمع.

لكن عددًا من المعنيين بمنظمات حقوق الإنسان يؤكدون أن العلاقة بين الشرطة والشعب تحتاج إلى مراجعة، وأنه لا بد من الضغط لتغيير سلوك الشرطة تجاه المواطنين من خلال تعديل القوانين وإعادة هيكلة وزارة الداخلية؛ لتخضع جميع أجهزتها لمبادئ حقوق الإنسان، وأكدوا أيضا ضرورة فرض نظام صارم لمراقبة تعامل الشرطة مع المواطن، خاصة في الأقسام والشوارع.

تغيير مفاهيم

إلى ذلك يؤكد خبراء أمنيون أهمية أن تكون الشرطة محل ثقة المواطن خلال الفترة المقبلة، تماشيا مع المناخ السياسي الذي تعيشه مصر، وقالوا «لابد للدولة أن تغرس في رجال الشرطة مفاهيم حقوق الإنسان، وهذا لم يكن يحدث من قبل، وكذلك بالضرورة توعية رجل الشرطة عبر ندوات، وإعداد مناهج حديثة متكاملة حول حقوق الإنسان للضباط في كلية الشرطة حتى يوجهوا جنودهم بالتعامل مع المواطنين بأنهم أصحاب حقوق يجب المحافظة عليها».