أمام النصب التذكاري لشهداء «ثورة 25 يناير» في ميدان التحرير، يقف المئات من الناس يوميا أمام عشرات الصور لشباب وفتيات سقطوا أثناء الاحتجاجات التي أسقطت نظام حسني مبارك في مصر، إلا أن بعض هؤلاء الشهداء لم يكونوا مشاركين في أي وقفة احتجاجية من قبل، بل ولم يتطرقوا للسياسة طوال فترة حياتهم، لكنهم تفاعلوا مع هتافات الجماهير وقرروا السير معهم إلى ميدان التحرير، وقبل أن يصلوا إلى وجهتهم سقطوا وفارقوا الحياة.. قصص وحكايات لشهداء سقطوا بـ«الصدفة»، جمعتها «البيان» عبر السطور التالية.
لقمة عيش
ففي شارع رمسيس، أحد أشهر شوارع القاهرة وتحديدا أمام دار القضاء العالي، ظل محمد عبدالمحسن، الذي يعمل فرانا، ينتظر فتح الإشارة المرورية ليعود إلى أبنائه الخمسة الذين ودعهم قبل صلاة الفجر ووضع قبلته اليومية على جبين كل واحد منهم وهو نائم.
وبعد أن طال انتظاره، قرر النزول والسير على قدميه بعدما تأكد من أن الشلل المروري ناتج عن وجود أعداد هائلة من سيارات الأمن المركزي ومدرعات الشرطة التي تحاصر المتظاهرين. ودون أن يشعر عبد المحسن، شاركهم في التنديد بـ«الظلم والفساد»، بل أصبح صوته الجهوري يفوق أصوات العشرات منهم.
يقول شقيقه أنور «علمت من إحدى الفضائيات أن مظاهرات حاشدة تغلق شارع رمسيس وتسير باتجاه ميدان التحرير، فاتصلت بشقيقي الذي يعود من هذا المكان، فأكد لي أنه يشارك في تلك المظاهرات لأول مرة في حياته». وتابع «وجدت أن لهجته تغيرت وتحمل مرارة 35 عاما قضاها بدون سكن ينتقل بأسرته من مكان إلى آخر، وأكد لي أنه لن يعود إلا منتصراً، وفي نفس الليلة اتصل بي أحد المتظاهرين من تليفون شقيقي وأخبرني أنه سقط مدرجاً في دمائه بعد أن أصابته رصاصة اخترقت رقبته وتم نقله إلى المستشفى، وقبل أن أصل إليه فاضت روحه إلى بارئها ليكون أول شهيد شارك بالصدفة في دفع الأذى عن بني وطنه».
رصاص قناصة
أما محمود محمد حسام، فكان يتمنى أن يشارك في إحدى التظاهرات «المليونية» التي كانت تنطلق من ميدان التحرير، لكن الانفلات الأمني وانتشار السرقة والنهب في كل أنحاء القاهرة خلال الأيام الأولى للتظاهرات، جعله يتقاسم الحراسة مع جيرانه في منطقة حدائق القبة. وظل محمود على مدى أربعة أيام يمنع دخول الغرباء لشوارع الحي الذي يقطنه، وبعد أن انتشرت اللجان الشعبية قرر أن يذهب إلى ميدان التحرير مع اثنين من أصدقائه، حيث كان قلبه يتلهف للوقوف بجوارهم ودعمهم. وبسبب الحظر الذي فرضته القوات المسلحة، قرر أن يسلك شوارع جانبية للوصول إلى الميدان سيراً على الأقدام، لكن قبل أن يتحقق حلمه فجرت رأسه طلقة غادرة من أحد القناصة الموجودين أعلى أحد أقسام الشرطة، فسقط مدرجاً في دمائه وحمله أصدقاؤه إلى المستشفى لإنقاذه، لكنه التحق بقائمة الشهداء وترك طفلته سارة التي تبلغ من العمر سبعة شهور يتيمة من بعده.
سجل الشهداء
كانت رحمة محسن خضير، الطالبة الجامعية، تتلقى دعوات بصفة مستمرة من زميلاتها بضرورة مشاركتها في التظاهرات، لكنها كانت ترفض ليقينها أن تلك التظاهرات «لن تهز النظام». وفيما بعد طلب منها شقيقها إبراهيم أن تذهب معه لشراء ملابس من «وسط البلد»، فوافقت شريطة الابتعاد عن أماكن التجمعات والمظاهرات. وحين كانا في طريقهما، لفت نظرها أطفال يحملون أعلاماً يهتفون بإسقاط النظام وآخرون يرسمون على وجوههم علم مصر ويكتبون على جباههم «ارحل»، فتحركت مشاعرها وقررت التوجه للميدان، لتشارك لأول مرة في مظاهرة، وقبل أن تصل إلى الميدان سقط فوق رأسها حجر كبير من أحد المباني المحيطة بالميدان، فلفظت أنفاسها الأخيرة؛ وانضمت إلى سجل الشهداء.
حماس مفاجئ
وبعد أن تطورت الأحداث عقب وصول الأزمة إلى أشدها في ظل تجاهل النظام لمطالب الجماهير، توقفت حركة البيع والشراء وأغلقت المحلات والورش أبوابها، لكن محمد عبدالوهاب عباس، الذي يعمل صانع أحذية، رفض إغلاق الورشة التي يعمل بها وطلب من صاحبها عدم إغلاقها على مسؤوليته، وفي «جمعة الغضب» وجد الحماس يشتعل في قلوب المتظاهرين الذين يأتون أفواجاً من كل شوارع القاهرة، وبدون أن يشعر وجد نفسه يردد الهتافات معهم، وبسرعة البرق أغلق باب الورشة وقرر الانضمام إليهم، وظل يندد بالظلم والفساد على مدى ساعتين، حتى بح صوته ولم تستطع زوجته تمييزه عندما أبلغها أنه سيدخل ميدان التحرير ولن يعود منه قبل أن يرحل النظام، لكنه تلقى ضربة شديدة على رأسه أسقطته في غيبوبة ظل على اثرها أربعة أيام بمستشفى القصر العيني، حتى فارق الحياة تاركاً أبناءه الثلاثة الذين يحتاج أحدهم إلى تغيير صمام بالقلب في رقبة زوجته.
