«لو الرجالة هتمشي، الأطفال قاعدين»، «أنا وبابا في الميدان إلى أن يرحل الطغيان»، «عايز أعيش في بلد تحميني»، «لن يبني وطننا إلا أبناؤه»، «أطفال مصر يطالبون بالتغيير».. هي مجموعة من الشعارات العفوية التي كتبت بخطوط عشوائية تصدرت المشهد المصري طوال الأسابيع الماضية في ميدان التحرير، واللافت أن حاملي هذه الشعارات لم يكونوا من «مهندسي الاحتجاجات»، ولا من رموز الأحزاب، ولا حتى من «مناضلي الفيسبوك»، بل كانوا باقة يانعة من أطفال مصر، أزهارا خضراء أبت إلا أن تشارك في هذا الحدث الفاصل في تاريخ مصر.
وطوال فترة الاحتجاجات، بقي أطفال في أعمار متباينة تبدأ من عام واحد وتتصاعد في كل سنوات الطفولة؛ بين صفوف المتظاهرين، يعبرون عن جيل ناشئ يأبى الا ان يكون مشاركا في صنع مستقبل بلاده، حتى وإن كان في صورة رمزية.
وإذا كان مشهد خروج الشباب في تظاهرات «الغضب» التي عمت أرجاء مختلفة من مصر مألوفا للجميع، إلا أن خروج الأطفال، لاسيما الرضّع، كان فريدا من نوعه ويعبر عن إصرار شعبي من مختلف الفئات على صنع التغيير. ورغم تفسيرات البعض الذي اعتبرهم خاضعين لإرادة أسرهم التي خرجت في التظاهرات، والبعض الآخر الذي اعتبرهم مجرد وسيلة ضغط، أو وسيلة للفت الأنظار وأضواء الكاميرات، إلا أن الصورة كانت معبرة وتعكس واقعا حقيقيا مفاده أن «هذا الجيل الذي أنجبته عائلات تعاني الفقر والمرض وغياب الأب طوال ساعات النهار وغالبية الليل من أجل توفير نفقات الطعام، يريد التغيير نحو حياة كريمة، تعيد لهم براءتهم، وتكفل لهم نشأة صحية».
ولم يقتصر احتجاج الأطفال على الوضع العام في مصر، بل امتد إلى أسرهم، وبحسب المحاسبة رشا أحمد، فإن «الطفل الذي لم يبلغ العاشرة من عمره، أصبح منذ انطلاق ثورة الغضب يعرف معنى التظاهر والاحتجاج والمسيرات السلمية وحظر التجوال، إلا أن هذه المظاهر انعكست على الوضع داخل المنزل، وقام العديد من الأطفال برفع شعارات احتجاج ضد الأمور التي لا تروق لهم داخل المنزل، حتى أن طفلة في الثامنة كتبت لافتة على غرفة نومها تقول «أنا أريد إسقاط ماما»، وذلك لأنها حرمتها من المصروف إثر تراجع طفيف في درجات اختبارها الشهري، وهناك آخرون ثاروا على تدني مصروفاتهم قائلين: «عاوزين نزود المصروف وإلا مش هنروح المدرسة».
فيما تقول هدى محمود، وهي موظفة في هيئة الإذاعة والتلفزيون، «ظننت أن مشاركة أبنائي الصغار في ثورة الغضب سوف تحيي لديهم روح الانتماء بعد تفشي حالة اللامبالاة على كثير من الأطفال والشباب، فكنت أصطحبهم إلى ميدان التحرير يحملون علم مصر ويرددون الهتافات والأناشيد الوطنية، وكانوا يرون ما يحدث أمام أعينهم من اعتراضات على تصريحات الرئيس، وعدم الاقتناع بالوعود الوهمية والمكررة، فكنت أحاورهم وأتناقش معهم في كل كبيرة وصغيرة بضرورة أن يكون لكل مواطن دور». وأضافت «وبعد تنحي الرئيس شعروا بأنهم بالفعل جزء من الكيان الذي شارك في التغيير وصناعة مستقبل مصر، لكن ما لم أتوقعه أن يطالبوا بالتغيير داخل البيت، حيث بدأوا في الاعتراض على كل ما لا يروق لهم، وأحيانا يشكلون ما يشبه الاعتصام داخل إحدى الغرف، حتى تتم الاستجابة إلى مطالبهم». وتابعت «وبالطبع لم يكن من الممكن أن أمارس نفس الدور الذي مارسه النظام السابق من تجاهل مطالب الناس؛ لذلك بادرت بالاستماع إليهم، وأوضحت لهم أهمية التحاور والنقاش والإرادة، لكن ينبغي أن تكون المطالب مشروعة وجوهرية وألا يتحول الأمر إلى فوضى».
