لا تستطيع الذاكرة أن تتجاهل أو تسقط ثورة الشباب الذين قادوا إلى إسقاط نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك، اجتمعت هموم المصريين في ميدان واحد، هو ميدان التحرير الذي استوعب كل أبناء الشعب، حيث جاء الآلاف وفي صدورهم مرارة شديدة من جراء ظلم وقع عليهم أو بسبب عدم استطاعتهم الحصول على حقهم في حياة كريمة.. وما بين دفاعهم عن حقهم في الحياة وتعرضهم للضرب والتنكيل من قبل قوات الشرطة والبلطجية، سقطت دموعهم على أرض ميدان التحرير؛ لتروي كل دمعة مأساة أسرة ما.
في إحدى الخيام التي اكتظ بها ميدان التحرير خلال فترة التظاهرات، حمل بهاء الدين أحمد عبدالعظيم، ابنه الذي لم يبلغ العامين وقرر أن يقيم في الميدان ليدافع عن قضيته التي لم يستطع حلها منذ عامين ونصف. وعن تجربته يقول عبدالعظيم: «كنت أعمل بإحدى شركات القطاع الخاص التي قام صاحبها بتصفيتها بعد أن حقق من ورائها مكاسب كبيرة وتوقعت مع زملائي أن نحصل على حقوقنا كاملة، إلا أننا فوجئنا بهروبه فجأة وبيع الأصول لمستثمر جديد قام بتغيير نشاط الشركة».
وأضاف أنه «وسط تلك المشاكل أنجبت زوجتي ابني الأول ولم أعرف طريقاً للدفاع عن حقوقي فاضطررت أمام تلك الظروف إلى الانتقال للإقامة بإحدى الغرف في شقة والدي، وللأسف حصل صاحب العقار على حكم بطردنا بعد ظهور شروخ كبيرة، وقامت قوى الأمن بطردنا ولم نجد مأوى نعيش فيه، حتى أقمنا في خيام بإحدى المناطق الشعبية نذوق الأمرين بسبب الإقامة في العراء ودورات المياه المشتركة، ورغم كل ذلك لم أخشَ على نفسي الإقامة في العراء، لكنني كنت أخشى على ابني من الجوع وأنا بدون عمل، فقررت المشاركة في مظاهرة ميدان التحرير وأقسمت على عدم العودة إلى منزلي إلا منتصراً».
الجوع والمرض
بينما تحالف الجوع والمرض على العجوز إبراهيم فتحي عوض (80 عاما)، وظل يصرخ وسط الميدان وهو يرتدي ثياباً بالية أكل عليها الدهر وشرب متسائلا: «كيف أعيش وأنا أحصل على معاش ضئيل للغاية يصل إلى 80 جنيهاً وزوجتي تعاني من أمراض مزمنة».
وأردف فتحي القول: «كنت أعمل بائعاً متجولا وظلت الشرطة تطاردني سنوات وتلفق لي المحاضر الكيدية حتى قررت أن أعمل حارساً لأحد العقارات، ومنذ ما يقرب من 5 سنوات استغنى السكان عني لعدم قدرتي على تحمل المشاق في إحضار متطلباتهم، وساءت أحوالي المادية وساعدني أهل الخير على استخراج معاش ضماني قيمته 80 جنيها لا يكفي سداد إيجار الغرفة التي أقيم بها مع زوجتي وأعيش منذ تلك الفترة على مساعدات أهل الخير؛ لذلك قررت المشاركة في التظاهرات، حتى أضمن حياة كريمة لي ولأسرتي.
«التحرير».. مسكني
وإذا كان المرض والجوع تحالفا على إبراهيم، فإن كل مشاكل الدنيا سقطت فوق رأس صابر إبراهيم السيد، الذي يعمل بأحد المصانع الحربية، وقال موضحاً مشكلته: «تزوجت وأنجبت أربع بنات في شقة صغيرة للغاية في المساكن المخصصة للعاملين بالمصنع بمنطقة أبو زعبل على أطراف القاهرة.. ولم أستطع مثل باقي زملائي البحث عن شقة ذات مساحة أكبر لإصابة جميع بناتي بمرض هشاشة العظام ولم تتزوج أي واحدة منهن خاصة أنهن قصيرات القامة».
وأضاف: «قررت أن أعيش وأكد وأتعب من أجلهن، لكن بمجرد إحالتي للتقاعد طالبتني الإدارة بإخلاء المسكن بالرغم أن ظروفي يعلم بها جميع العاملين ورغم ذلك لم تشفع تلك الظرف أمام بقائي في المسكن، ومنذ عامين تقريباً وأنا أتنقل من مسكن شقيقي إلى الإقامة لدى شقيقتي، ولم يعد أحد قادر على تحملي أكثر من ذلك، فقررت أن أجلس في ميدان التحرير حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً ويرحل النظام.
