تعج الساحة السياسية السودانية بالقلق والاضطراب إزاء العديد من التساؤلات التي يطرحها الواقع السياسي الراهن، فانفصال جنوب السودان الذي سيصبح رسميا دولة مستقلة فى يوليو المقبل فتح الباب واسعا أمام المستقبل المجهول الذي ينتظر البلاد، وسط مخاوف من احتمال تجدد الحرب بين الشمال والجنوب بسبب الخلافات بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني حول القضايا المعلقة فى مقدمتها قضية أبيي الملتهبة بجانب مخاوف أخرى من احتمال تفاقم الأوضاع في دارفور ما يضعها على عتبة انفصال آخر.
ولا تقتصر المخاوف الناجمة من انفصال جنوب السودان على ما يترتب عليه من تنامي دعوات لتقرير المصير والانفصال في أجزاء اخرى من البلاد مثل النيل الازرق وجبال النوبة وشرق السودان فحسب وانما من تناقص ايرادات البلاد نتيجة تحولها إلى دولة الجنوب والتي كانت تساهم بأكثر من 70 في المئة من تمويل الميزانية.
ولقد سارعت الحكومة لاستباق تأثيرات الفجوة التمويلية بزيادة أسعار السكر والمواد البترولية واتخاذ بعض الإجراءات التقشفية، غير ان زيادة أسعار المواد البترولية والسكر ترتب عليه زيادات متصاعدة فى أسعار كل السلع مما أثار نقمة المواطنين وغضبهم ، وقد تزامنت تلك الزيادات مع إجراءات مماثلة في بعض الدول العربية الشيء الذي شجع الحكومة على الاحتجاج بأن تلك الزيادات «ذات طابع عالمي»، الا ان الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها تونس والأردن والجزائر واليمن سرعان ما ألقت بظلالها على الأوضاع في السودان فظهرت حركات احتجاج في الشارع شملت كثيرا من المدن السودانية بجانب العاصمة الخرطوم كان قوامها الطلاب والشباب متأثرين بما يجرى في محيط السودان العربي، وقد تداعت مجموعات شبابية عبر الفيسبوك وتويتر بتنظيم تظاهرات تصدت لها الشرطة وأسفرت عن اعتقال بعض الناشطين، تحولت المطالبة بإطلاق سراح أولئك المعتقلين إلى منطلق احتجاجي آخر تمثل في اعتصامات لأسر المعتقلين وفى الوقت ذاته دعت الحكومة إلى حوار مع القوى السياسية بغرض المشاركة في حكومة ذات قاعدة عريضة في محاولة منها لاحتواء التململ الشعبي والحزبي بيد ان التحالف المعارض رفض هذا العرض وتمسك بمطلبه الداعي إلى تشكيل حكومة قومية انتقالية تعقد مؤتمرا دستوريا يعد مبادئ الدستور ومن ثم قيام انتخابات حرة فضلا عن حل مشكلة دارفور.
ومع ذلك دخل حزب الأمة في حوار مع المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) باسم ما اسماه الأجندة الوطنية، الأمر الذي تعامل معه التحالف المعارض بكثير من الحزر فيما رفضه حزب الترابي جملة وتفصيلاً، بل ذهب اكثر واتهم حزب الأمة بشق الصف المعارض، لكن الحزب الحاكم لم يأبه بموقفه وابتدأ حوارا آخر مع الحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني الذي التقاه مبعوث للرئيس البشير فى مدينة مكة وتمخض عن اللقاء اتفاق عام حول تشكيل لجان مشتركة من الحزبين للنظر في مسألة تعديل الدستور وحل قضية دارفور، وأدت هذه الحوارات إلى إرباك قوى المعارضة .