عقب قرار الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك بالتنحي عن منصب رئيس الجمهورية، امتزجت مشاعر المصريين تجاه هذا الموقف، بين رافض للرجل ومتعاطف معه.
لم يكن الأمر له علاقة بالسياسة أو الانتماءات الحزبية أو غيرها، بقدر ما كان العامل الاجتماعي والنهج العاطفي الذي لازم الإنسان المصري منذ القدم قد سيطر على تلك المشاعر، فاللحظات التي تلت إعلان التنحي انهمرت فيها كثير من الدموع التي عبرت عن مزيج من الفرح والحزن..
هايدي، فتاة في الـ24 من عمرها، كانت تقف أمام منزلها تحيي تظاهرة صغيرة في حي المهندسين، وعندما خرجت فور إذاعة بيان تنحي مبارك، سألتها «البيان»: «هل أنتِ سعيدة بهذا القرار؟»
قالت: ولدت منذ 24 عاماً ولم أرَ غير مبارك رئيساً لمصر، أنا لا أعرف إذا كنت فرحانة أم حزينة كل ما أعرفه أن الشعب اتفق على رفضه، وأنا كنت أحس به كأب لكل المصريين، رأيته كثيراً يدافع عن مصر وحديثه عن حماية الدولة والحفاظ على تاريخها، ولكني منذ بداية هذه الثورة ظللت أسمع الكثير عن الفساد في عهده ولا أعرف كيف حدث هذا ومتى؟ وأنت تراني الآن أبكي لأنني سأفتقده، وقد تجدني أبكي أيضا لانتصار الشباب الذين زرتهم عدة مرات في ميدان التحرير رغم أنني لم أكن مشاركة معهم أو متضامنة أو معارضة لفكرتهم، ولكن الأحداث سبقتني وكانت متسارعة، وسنرى ماذا سيحدث خلال الفترة المقبلة.
مأساة شاب
لكن حامد إبراهيم، في الـ36 من عمره، كان منفعلاً يبكي بحرقة فرحاً برحيل مبارك.
قال حامد: هل تصدق؟.. حوالي 11 عاماً منذ أن تخرجت في الجامعة وحتى الآن أعمل في كافتيريا متواضعة معتمدا فقط على البقشيش رغم أن دراستي آداب إنجليزي وأخجل أن أقول ذلك؛ لأنهم لن يصدقوني، تقدمت لعشرات الوظائف التي تتناسب مع دراستي ورفضت الجهات المعنية كل طلباتي لأحصل على وظيفة، حيث كانت المحسوبية تسيطر على مسار دواوين الدولة، وحتى العمل في القطاع الخاص يحتاج إلى واسطة بعد أن أصبح جزءا من فساد النظام، فأغلبها شركات ومؤسسات خاصة بأسماء أقارب مسؤولين أو أبنائهم، فكان لا بد لهذا الرجل أن يذهب، ولكني في نفس الوقت أخاف من القادم رغم أنه لن يكون أسوأ مما كان.
مقتنع بالثورة
شاب في الثانية والعشرين من عمره يدعى تامر، كان يرتدي طاقية مصنوعة من علم مصر ويلف حول جسمه نفس العلم، قال: أنا مقتنع تماما بالثورة، فقد ولدت في منزل عانى كثيراً، فقد فصل والدي من عمله قبل 12 عاما بلا مبرر، وكان أستاذا في الجامعة فقط لأنه ساند تظاهرة صغيرة في الجامعة ضد النظام، وضغطوا عليه حتى أجبر على الاستقالة.
ويضيف: وشقيقي الأكبر تخرج منذ 7 سنوات وكان أول دفعته وحصل على الماجستير، تقدم لوظيفة معيد بالجامعة، ورغم أنه الأحق بالوظيفة فقد حصل عليها أحد أقرباء وزير سابق محسوبية وكيدا في والدي الذي كان رافضا للانضمام للحزب الوطني، ولذلك أنا تربيت على كراهية هذا النظام، ولم أغادر ميدان التحرير منذ 25 يناير حتى تنحى مبارك.
أحببت الرئيس
شاب آخر يدعى عبدالستار، 39 سنة، بكى قائلا: أنا أدرك أن هناك فسادا، وأن هذا الشعب كله يعيش مغبونا، ولكن كنت أحب محمد حسني مــبارك؛ لأنه مهما كان فهو أحد أبطال حرب أكتوبر 73، لكني كنت أفضل أن يذهب بشكل كريم؛ لأن له دوراً وطنياً كبيراً.
وقال عبدالستار: لا أعرف إذا كان ما يقال عن ثروته بهذا الحجم أم أنه نوع من المبالغة، أنا كنت ضمن الشعب أرغب في التغيير، لكني كنت أحزن للإساءات الموجهة لرئيسنا وأن يذهب بهذا الشكل المهين، ورغم ذلك نرحب بالوضع الجديد.
التقييم العلمي للمشاعر
وهنا يؤكد أستاذ علم الاجتماع د. أحمد عثمان أن الوقت لم يحن للتقييم الحقيقي لمشاعر الناس، ففي هذه المرحلة من الصعب أن يجاهر أي مناصر لنظام مبارك برأيه على عامة الناس، فهناك من يرى حتى الآن أن مبارك صاحب الضربة الجوية الأولى في حرب أكتوبر، ومنهم من تشبع بخطاباته وشخصيته القوية الصارمة وصوته الجهوري الذي يدافع عن مصر، وهناك من رأى وذاق الظلم من هذا النظام، خاصة أنه بعد خطاب مبارك الذي رفض فيه التنحي يوم الخميس الماضي العاشر من هذا الشهر، كان الكثيرون يعتقدون بأن تنحي مبارك أصبح مستحيلا، ولكن بعد ساعات لم تتعدَ 18 ساعة كان قرار التنحي والذي اعتبره البعض مفاجأة، وهذا جعل مشاعر المصريين تتمازج، خاصة لدى أغلب الثوار من الشباب الذين لم يعيشوا عهوداً سياسية غير عهد مبارك، ودفعتهم البطالة والفقر إلى الوقوف بصلابة في وجه النظام، وكذلك عندما بدأوا موقفهم الاحتجاجي كانت مطالبهم تخلو من مطالب بتنحي مبارك.
ويضيف د. عثمان أن «هذا يعني أن مبارك في شخصه لم يكن مستهدفا وكان التركيز على نظامه فقط».. ويرى أن «استقرار المشاعر يحتاج إلى بعض الوقت أي إلى شهور، بعد أن تظهر الملامح الحقيقية للنظام الجديد وسياساته المستقبلية» خاصة في ما يتعلق بالجوانب المعيشية.
