ما بين طفل وشاب ورجل وامرأة وعامل وعاطل وطالب وموظف، سقط خلال الثورة التي شهدتها مصر قبل أيام، ما يقرب من 600 شهيد (وهي حصيلة لم تتأكد رسمياً) ضحوا بأرواحهم من أجل أن يحيا آخرون، فقد غيّروا بدمائهم مستقبل مصر، وقدموا أنفسهم قرابين حتى يعيش أهالي المحروسة الحرية والديمقراطية التي طالما حلموا بها.. عبر تلك السطور تستعرض «البيان» حكايات عدد من الشهداء، حيث يحمل كل منهم حكاية تختلف عن الآخر، ويعيش كل منهم ظروفاً غير الآخر، لكن الرغبة في التغيير وأحلام الحرية والعدالة الاجتماعية كانت القاسم بينهم..
الحرية هي الحلم الذي راود رائد فتحي عبدالفتاح، مثل غيره من الشباب الذين سعوا من أجل تحقيق مستقبل أفضل، ففي اليوم الذي أعلن فيه «شباب الفيسبوك» الخروج في مظاهرة تنديد ضد النظام، كانت زوجته تشعر بآلام المخاض، وبرغم شغفه برؤية ابنه الأول الذي اشتاق إليه كثيراً، إلا أن شغفه بالحياة الكريمة التي يوفرها لفلذة كبده مستقبلاً جعلته يلقي مسئولية رعاية زوجته لوالده الذي يقيم في مسكن قريب منه بمنطقة الزاوية الحمراء، وتوجه عقب صلاة الجمعة إلى ميدان رمسيس؛ ليشارك في مسيرة سلمية إلى ميدان التحرير، وكان متحمساً لإلقاء الشعارات وترديد بعض الهتافات التي تطالب بالإصلاح، إلا أن رصاصة اغتالته بعد وصوله بـ10 دقائق فقط، وتم نقله إلى مستشفى منشية البكري قبل أن يلفظ أنفاسه بلحظات.
لكن الأقدار قد تتلاقى أحياناً، ففي الوقت الذي صعدت روح رائد الطاهرة إلى بارئها جاء إلى الدنيا نجله الصغير يصرخ بشدة وكأنه يقول: «سأكمل المشوار يا أبي»، وعن تلك اللحظات يقول والده: «انتظرت عودة ابني للاطمئنان على زوجته التي وضعت مولودها كما هو متفق عليه بمستشفى الزهراء الجامعي، فلم يعد حتى منتصف الليل، فانزعجت بشدة، خاصة أن تليفونه المحمول لم يرد حتى فوجئت باتصال هاتفي من المستشفى يطلب حضوري ووجدته في إحدى الطرقات غارقاً في دمائه نتيجة طلق ناري أصيب بعده بنزيف حاد، لأعيش أنا وأمه وزوجته وابنه في نار لا تهدأ بعد فراقه، لكن عزاءنا الوحيد أنه صنع مستقبلاً للأجيال القادمة».
الكاميرا شاهدة
ولم يكن رائد هو الوحيد الذي خرج للتظاهر وسقط جثة هامدة، لكن هناك الكثيرين الذين شاركوه نفس الحلم ولقوا نفس المصير، فهناك الشاب أحمد بسيوني، المدرس المساعد بكلية التربية الفنية، الذي ذهب من أجل هدفين؛ الأول هو الحرية والعدالة الاجتماعية، أما السبب الثاني فهو الحصول على بعض اللقطات؛ ليستفيد منها في تخصصه لنيل الدكتوراه في التصوير الفوتوغرافي. وعن اليوم الذي استشهد فيه أحمد، روت زوجته: استيقظنا يوم الجمعة المسماة «جمعة الغضب»، وفوجئت به يرتدي ملابسه للذهاب إلى التظاهرات، وطلبت منه مشاهدتها عبر التلفزيون؛ خاصة وأنه شارك فيها لمدة 3 أيام قبل جمعة الغضب، لكنه أصر على موقفه، وداعب ابنه الأكبر آدم، وقال له: «أنت المسؤول عن والدتك وأختك سلمى، فكن على قدر المسؤولية»، وانصرف بعد ذلك ليودع أباه ويقبل يد أمه التي طلبت منه هي الأخرى ترك المظاهرات واستكمال رسالة الدكتوراه التي من المقرر أن يناقشها خلال أيام، لكنه لم يستمع إلا لنداء ميدان التحرير الذي صنع تاريخ مصر الحديث، وبصعوبة شديدة استطاع التقاط العديد من المناظر وسط دخان القنابل المسيلة للدموع التي لم ترهبه، وكأنه يتحدى قمع ضباط الشرطة الذين بدؤوا يطلقون نيرانهم يميناً ويساراً دون اكتراث، حتى زادت المواجهات ساعة الغروب مع قدوم مئات الآلاف من المتظاهرين من جميع أنحاء القاهرة الكبرى.
وقبل أن تنسحب الشرطة بدقائق، سقط أحد المتظاهرين بجواره، بعد أن صوب إليه أحد القناصة من فوق المتحف طلقة غادرة، فأسرع أحمد بالتقاط صورة سريعة له، فوجه القناص إليه رصاصة أسقطته صريعاً، لتقوم سيارة أمن مركزي بدهسه، لكن تبقى الكاميرا التي تحكي كل لحظة مر بها في ميدان العزة والكرامة؛ ليشهد أبناؤه أن والدهم وهب حياته ثمنا لحريتهم.
حلم التغيير أسقطه أرضاً
ومن منطقة الوايلي أحد أحياء محافظة القاهرة خرج رمضان إسماعيل رسلان ذو الـ 25 ربيعاً؛ للمشاركة في ثورة الشباب بعد أن وجهت إليه الدعوة عبر «الفيسبوك»، وكانت المرة الأولى التي يشارك فيها، لكنه كان يشعر أنها ستجلب الحظ وتوفر له فرصة العمل كمدرس بإحدى مدارس التربية والتعليم بدلاً من محل الكشري الذي يعمل به منذ عامين، حيث اشترك في مظاهرة يوم 25 يناير، وشعر أنه اقترب من تحقيق حلم التغيير والإطاحة بالنظام، وظل على مدى ثلاثة أيام يجهز نفسه للمشاركة في مظاهرات جمعة الغضب، فأعد لافتة كبيرة كتب عليها «مدرس الفيزياء يسلق المكرونة ويقشر البصل يا حكومة»، وكتب على الوجه الآخر «عاوز اشتغل يا أولاد الحلال»، حيث حاول رمضان في البداية الوصول إلى شارع التحرير، إلا أن قوات الأمن منعته من الوصول، فسار في شارع طلعت حرب للانضمام إلى مظاهرات الميدان، وقبل أن يحقق حلمه وتطأ قدماه الميدان، تلقى رصاصة في صدره خرجت من ظهره، وتم نقله إلى مستشفى القصر العيني، ولكن بعد فوات الأوان، فظن أصدقاؤه في البداية أنه لم يستطع الوصول للميدان وعاد إلى منزله، ولكن بعد رجوعهم اكتشفوا عدم عودته، فشكت والدته في حدوث مكروه له، خاصة وهي ترى جثث الضحايا تملأ الشوارع، فطلبت منهم العودة للبحث عنه، وظلوا على مدى 4 أيام يبحثون عنه بالمستشفيات ومعسكرات الجيش، حتى جاءهم اتصال هاتفي يطلب من الأم الحضور لاستلام جثمان أصغر أبنائها.
قدر ياسمين
وبينما كان شباب 25 يناير يجهزون أنفسهم ليوم الغضب، لفت انتباه «ياسمين محمود الصباغ» رسائل البريد الالكتروني التي تصلها من صديقاتها بضرورة المشاركة في المظاهرة، فظلت على مدى ثلاثة أيام تفكر في الطريقة التي تجعل والدتها توافق على خروجها، فكانت تدير التلفاز على القنوات التي تعرض إنجاز هؤلاء الشباب في الأيام الثلاثة من بداية ثورة الغضب، وتحاول من ناحية أخرى شحن طاقة والدها؛ ليمنحها فرصة عمرها للاشتراك في مظاهرة، فحذرها من خطورة المشاركة، وأكد لها أن السحل والضرب والخطف النتيجة المباشرة، إن لم يكن إطلاق الرصاص هو الحل لدحض المظاهرات وإجهاضها. إلا أن ياسمين وضعت قبلة على وجهه وحملت حقيبة يدها وأبلغت صديقتها بأنها في انتظارها أمام دار القضاء العالي، وبالفعل التقتا وانطلقتا إلى الميدان الذي يعج بالمتظاهرين وسط القنابل المسيلة للدموع التي تتساقط عليهم كالمطر، علاوة على الطلقات المطاطية، فلم تبال، وظلت تردد الهتافات، وفجأة وجدت الفتاة نيرانا مشتعلة في مبانٍ عالية، وفوجئت بأشخاص يرتدون ملابس مدنية يضربون بوحشية ويسحلون صديقتها التي توارت ملابسها عن جسدها وبدأت تتكشف، فحاولت سترها، إلا أنها تلقت ضربة بعصا غليظة على رأسها الصغير، لتغمض عينيها وترحل نتيجة كسر في الجمجمة ونزيف حاد بالمخ.
ملابس شهداء الثورة
«ملابس شهداء الثورة».. بهذه العبارة التي كتبت على لافتة صغيرة، تأخذك عيناك في قلب ميدان التحرير إلى ملابس الشهداء الذين أسقطوا نظام الرئيس مبارك.. مجموعة من الملابس التي تلطخها الدماء وتخترقها طلقات الرصاص، كلها عُلقت على شواهد خشبية لإدانة نظام انتهك آدمية شعبه. يذكر أن هذا النصب يقع على بعد أمتار قليلة من النصب التذكاري للشهيد عبدالمنعم رياض الذي يعد رمزا لشهداء القوات المسلحة المصرية، وهذا ما لم يغب عن ذهن الشباب الذين أقاموا نصب الشهداء دلالة على متانة علاقة الشعب بالجيش. وقد تمت إقامة هذا النصب بشكل بدائي من خلال بعض الركام في الميدان بواسطة بعض الأعمدة الخشبية والتي علقت عليها ملابس الشهداء، وأكد الشباب الذين قاموا بإقامته أنه أقل تكريم لهذه الدماء الطاهرة التي غيرت تاريخ مصر.
