طوى الرئيس المصري حسني مبارك، أمس، صفحة حكمٍ دام ثلاثة عقود، بتنحيه عن سدة الرئاسة، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة، برئاسة وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي، بإدارة شؤون بلاده، في وقتٍ كانت أنباء ترددت عن سفر مبارك وعائلته إلى منتجع شرم الشيخ، فيما عمت الفرحة المتظاهرين في أنحاء مصر، وخاصة المعتصمين في ميدان التحرير.
وأذاع نائب الرئيس عمر سليمان، البيان المقتضب الذي تنحي بموجبه مبارك عن سدة الرئاسة، مساء أمس (الساعة 56:5)، وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة وزير الدفاع المصري المشير حسين طنطاوي بإدارة شؤون بلاده.
أفراح شعبية
وعلى الفور، أطلق المصريون العنان لأفراحهم، حيث لوح مئات الألوف من المحتجين المصريين بالأعلام، وهتفوا وعانقوا بعضهم بعضاً لدى الإعلان عن تخلي مبارك عن رئاسة البلاد. وهتف المحتشدون في ميدان التحرير: «الشعب أسقط النظام». وأخذ المتظاهرون يهتفون في حالة هيستيرية «الشعب خلاص أسقط النظام»، وهم يصرخون فرحاً ويلوحون بالأعلام المصرية. كما فقد بعضهم الوعي من شدة التأثر. وأخذت مجموعة من المتظاهرين تغني أوبريت «الليلة الكبيرة» للراحل سيد مكاوي، فيما أخذت جموع أخرى تردد تكبيرات العيد. وما هي إلا لحظات من كلام سليمان حتى امتلات شوارع القاهرة بالسيارات التي نزل أصحابها الى الشارع للتعبير عن فرحتهم مع مطلقين العنان لأبواقها ابتهاجاً برحيل مبارك، كما ترددت اصوات اعيرة نارية أطلقت أيضاً تعبيراً عن الفرح. كما انهالت الاتصالات الهاتفية بين الأهالي والاصدقاء في مصر والخارج لتهنئة بعضهم بعضاً بهذا الحدث الفريد. وعلى موقع «تويتر» كتب الشاب وائل غنيم، خبير الإنترنت، الذي أصبح رمزاً للاحتجاجات «مبروك لمصر».
شرم الشيخ
وفي هذه الاثناء، قال الناطق باسم الحزب الوطني الحاكم، محمد عبد الله، لوكالة «فرانس برس»، إن مبارك موجود في شرم الشيخ. وكان مصدر مقرب من الحكومة، قال في وقت سابق، إن مبارك غادر القاهرة بصحبة عائلته كلها. في وقت نفت مصادر ملاحية مصرية بمطار القاهرة، امس، ما تردد عن سفر الرئيس مبارك الى خارج البلاد أو مغادرة طائرة الرئاسة.
من جهتها، ذكرت صحيفة «الأهرام» المصرية على موقعها عبر الإنترنت، ان مبارك وصل إلى مطار شرم الشيخ الدولي بمحافظة جنوب سيناء، شمال شرقي البلاد، بعد مغادرته القاهرة امس. ونقلت الصحيفة عن مصادر لم تكشف عنها، ان مبارك لن يغادر البلاد، نافية ما تردد حول ذهابه إلى خارج مصر. واضافت المصادر ان مغادرة مبارك للبلاد «ستزيد الأمر اشتعالاً وتعزز من فقدان الثقة الحالي بين الرئيس ونائبه والمتظاهرين».
إلى ذلك ذكرت قناة «العربية» الفضائية في وقت سابق، انها حصلت علي معلومات تؤكد سفر مبارك وأسرته إلى الخارج من مطار ألماظة، ومنه إلى وجهة غير معلومة. لكن القناة عادت في وقت لاحق وقالت إنه ذهب إلى شرم الشيخ، ولم تنسب تقريرها إلى مصدر.
طلب سليمان
وفي وقت سابق طالب سليمان الذي فوضه مبارك في وقت متأخر الليلة قبل الماضية السلطة، كافة المحتجين في ميدان التحرير، بإنهاء مظاهراتهم والعودة الى بيوتهم، ملتزماً بتحقيق الانتقال السلمي للسلطة، وتنفيذ كل ما تعهد به خلال الحوار مع قوى المعارضة، كما طلب من رئيس الحكومة أحمد شفيق تعيين نائب له من «الحكماء» لإدارة «الحوار الوطني». وتوجه سليمان في أول كلمة له بعد قرار مبارك بتفويضه صلاحياته إلى المتظاهرين في ميدان التحرير بالقول: «يا شباب مصر وأبطالها عودوا إلى دياركم وأعمالكم فالوطن يحتاج إلى سواعدكم. لا تنصتوا إلى الإذاعات والفضائيات المغرضة التي لا هدف لها إلاّ إشعال الفتن والعمل على إضعاف مصر وتشويه صورتها. استمعوا فقط إلى ما تمليه عليكم ضمائركم». وتعهد بأن ينجز الوعود التي تعهد بها مبارك والخاصة بالإصلاحات الدستورية والتشريعية، معرباً عن التزامه «بإجراء كل ما يلزم لتحقيق الانتقال السلمي للسلطة وفقاً لأحكام الدستور». وأشار سليمان إلى الحوار الذي أجراه مع بعض قوى المعارضة، قائلاً «توصلنا إلى تفاهمات ووضعت خارطة طريق لتنفيذ معظم المطالب طبقاً للزمن المتاح ولا يزال الباب مفتوحاً لمزيد من الحوار».
وأضاف «أعلن تمسكي بتنفيذ كل ما تعهدت به من إجراءات بالحوار الوطني وما يتم الاتفاق عليه لاحقاً»، ودعا إلى «الحفاظ على ثورة الشباب ومكتسابتها والعمل على استعادة الثقة بيننا مع احترام الدستور والقانون وأن نحقق مطالب الشعب بالحوار الواعي». وأعرب سليمان عن ثقته بأن «هذا الشعب البطل لن ينجرف أبداً إلى مخاطر الفوضى ولن يسمح لأصحاب التخريب والترويع أن يكون لهم وجود بينكم». وطالب كل المواطنين أن ينظروا إلى المستقبل وجعله «مشرقاً وزاهراً بالحرية والديمقراطية». من جهة اخرى، طلب سليمان من رئيس الحكومة احمد شفيق تعيين نائب له من «الحكماء» لإدارة «الحوار الوطني». وذكر التلفزيون المصري الرسمي أن طلب سليمان طلب من شفيق تعيين نائب له لإدارة «الحوار الوطني». وقالت قناة «النيل» للأخبار في شريط الأخبار على شاشتها «سليمان يطلب من شفيق تعيين نائب لرئيس مجلس الوزراء من الحكماء ليتولى شؤون الحوار الوطني».
نبذة
وزير الدفاع المصري محمد حسين طنطاوي هو رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تولى السلطة في البلاد بعد تنحي الرئيس حسني مبارك. وفيما يلي بعض الحقائق عن طنطاوي:
- ولد في 31 اكتوبر 1935 وانضم الى القوات المسلحة في 1956.
- يحمل طنطاوي رتبة مشير ويتولى منصب وزير الدفاع والإنتاج الحربي منذ 1991 والقائد العام للقوات المسلحة منذ 1995.
- شارك طنطاوي في ثلاثة حروب ضد إسرائيل في أعوام 1956 و1967 و1973.
- عين طنطاوي نائباً لرئيس مجلس الوزراء إلى جانب منصبه كوزير للدفاع بعدما أقال مبارك الحكومة في 29 يناير.
- أثارت خلفيته العسكرية وأقدميته تكهنات باحتمال أن يخوض انتخابات الرئاسة، رغم أن بعض المحللين، قالوا إنه لا يتمتع سوى بدعم محدود من الرتب الدنيا في القوات المسلحة.
- قام طنطاوي بجولة في سيارته أمام قصر الرئاسة في منطقة مصر الجديدة وتبادل التحية مع جمهور كان يحتفل بتنحي مبارك.
- قالت مصادر مصرية رفيعة المستوى إن قرار مبارك بالتنحي عن السلطة جاء بعد تهديد قيادات الجيش له بتحويله للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى.
بيان التنحي
أعلن اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية، أن الرئيس المصري حسني مبارك قرر التنحي. وقال سليمان في بيان مقتضب:
بسم الله الرحمن الرحيم:
«أيها المواطنون، في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد، قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية، وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد، والله الموفق والمستعان».
غادر القاهرة، وزير مالية مصر السابق، يوسف بطرس غالي، متوجهاً إلى بيروت، كأول مسؤول سابق يغادر البلاد، بعد قرارات منع سفر عدد من الوزراء السابقين. وأنهى غالي إجراءات سفره على رحلة طيران الشرق الأوسط المتجهة إلى بيروت برفقة زوجته، حيث انتظر في صالة كبار الزوار. وقامت إحدى الجهات الأمنية العاملة بمطار القاهرة بمراجعة جواز سفر الوزير قبل السماح له بالمغادرة.
بدراوي يستقيل
أعلن الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي حسام بدراوي استقالته من منصبه بعد أقل من أسبوع من تعيينه، مضيفاً أن البلاد تحتاج إلى أحزاب جديدة. وأبلغ بدراوي قناة «الحياة» التلفزيونية المستقلة انه قدم استقالته احتجاجاً على الطريقة التي أدار بها النظام الأزمة. واضاف ان تشكيل أحزاب جديدة بطريقة جديدة تعكس التفكير الجديد، افضل للمجتمع في المرحلة الراهنة. القاهرة - «البيان»
إرهاصات التغيير.. يوم حاشد في «التحرير»
احتشد نحو مليون مصري، أمس، في مدن مصر كالسويس والإسكندرية وقنا واسيوط وبالتحديد في ميدان التحرير وسط القاهرة، وذلك في وقتٍ شهدت الاقصر تظاهرات حاشدة عقب صلاة الجمعة، بالتزامن مع انضمام الصيادلة إلى جموع المعتصمين، في حين قال شهود عيان إن عدداً من المباني الحكومية سقط في أيدي محتجين في محافظة السويس، مع مقتل شخصين في سيناء باشتباكات مع الشرطة.
ووفق مصادر محلية، فإن 500 ألف متظاهر نزلوا الى الشوارع في ميدان التحرير ومنطقة وسط القاهرة بينما كان هناك قرابة 500 ألف متظاهر في مدينة الاسكندرية، إضافة الى عشرات الآلاف في الاسماعيلية واسيوط وسوهاج وبني سويف والمنصورة والمحلة وطنطا. وتوجه آلاف المتظاهرين بعد الظهر الى مقر الرئاسة الرسمي وهو قصر الاتحادية في منطقة مصر الجديدة بشرق القاهرة. كما أفاد التلفزيون المصري الحكومي بأن «آلاف المتظاهرين توجهوا الى القصر الرئاسي في مصر الجديدة وأحاطوا بمبنى التلفزيون». وتدفقت الحشود في العاصمة المصرية الى حد ان حركة السير توقفت في شارع رمسيس، احد اكبر شرايين القاهرة الذي يربط وسط المدينة بمصر الجديدة، بسبب امتلائه بالمتظاهرين. وافاد مراسلو وكالة «فرانس برس» ان تظاهرات خرجت كذلك من عدة احياء في القاهرة باتجاه ميدان التحرير. كما نظَّم مئات الصيادلة المصريين مسيرة متجهين باللباس الأبيض نحو ميدان التحرير للانضمام للمتظاهرين المطالبين بتنحي الرئيس المصري. وافاد المصدر أن «عدداً من المتظاهرين حاولوا دخول مجلسي الشعب والبرلمان ولكن قوات الجيش تمكنت من منعهم بالتفاوض». وفي سياق متصل، قال ضابط في القوات المسلحة المصرية انضم الى المحتجين في ميدان التحرير ان 15 ضابطاً آخرين من أصحاب الرتب المتوسطة انضموا ايضاً الى المتظاهرين».
مقتل متظاهرين
في هذه الأثناء، شهدت مدينتا الاقصر وقنا بجنوب مصر تظاهرات حاشدة عقب صلاة الجمعة. وفي الاقصر، انطلقت تظاهرة شارك فيها قرابة 2000 مصري من ميدان ابوالحجاج وصلاح الدين، حاملين اعلام مصر وطافوا بشوارع الاقصر. وردد المتظاهرون هتافات تقول: «واحد اتنين الجيش المصري فين» و«لا للفساد لا للقهر لا للاستبداد لا للطغاة». وفي قنا، تظاهر 1500 مصري في ميدان الساعة مطالبين بسقوط النظام. وقال شهود عيان ان عددا من المباني الحكومية سقط في أيدي محتجين في محافظة السويس. وقال الشهود ان المحتجين الذين تجمعوا بعد صلاة الجمعة بعشرات الألوف احتلوا مبنى ديوان عام محافظة السويس ومبنى حي السويس ومبنى حي الاربعين في المدينة التي كانت شهدت مصادمات دامية بين المحتجين والشرطة سقط فيها 24 قتيلاً.
وقال الشهود إن المحتجين قالوا انهم لن يتركوا المباني التي سقطت في أيديهم إلا بتنحي مبارك. وقال مصدر أمني ان محافظ السويس خرج من المبنى في سيارة اسعاف خشية أن يمسك به المحتجون. وقال الشهود ان المئات يوجدون داخل كل مبنى وأن ألوفاً يحاصرون كلاً منها. وهتف المحتجون أيضاً برحيل محافظ السويس ومدير أمن المحافظة. وقال شهود عيان في مدينة الاسكندرية الساحلية، إن عشرات الألوف من المحتجين نظموا مظاهرات ومسيرات في عدة أماكن في المحافظة. وقال شاهد ان عشرات الألوف من المحتجين اتجهوا الى قصر رأس التين، أحد القصور الرئاسية في المدينة. أما في سيناء، فقتل شخصان واصيب 20 آخرون في صدامات في مدينة العريش في شبه جزيرة سيناء.
