ربما كان من المفهوم، على الأقل في واشنطن، أن تتسم بدايات تعامل إدارة الرئيس أوباما مع أحداث مصر؛ بالارتباك. تفاجأت بحجم التحرك وزخمه وتلاحق تطوراته، فضلاً عن عدم وضوح الصورة، الميدانية والرسمية؛ في أول الأمر. فكان أن تأرجح خطابها بين لغة التعاطف مع ميدان التحرير وبين الحرص على تقليل خسائر النظام. محاولتها للموازنة بين الاثنين لاقت تفهم أوساط أميركية كثيرة، في الكونغرس وغيره؛ على اعتبار أن الوضع شديد الحساسية والخيارات محدودة. مصر حليف مهم ومزمن. ومطالب الانتفاضة السلمية، لا تقوى واشنطن على التنكر لها. فكان لا بدّ من تدوير الزوايا. لكن مع تسارع التطورات وتفاقم الأزمة، بات مثل هذا التدوير مكشوفاً ويصعب تسويقه. وازداد مأزقه عندما وجدت الإدارة نفسها تلهث وراء المستجدات، من دون أن تقوى على اللحاق بها. الأمر الذي أدّى إلى القفز بالموقف بين هبّة باردة وهبّة ساخنة. حكمت هذا التعاطي جملة حسابات، من المتعذر الجمع بينها؛ في ظلّ ظرف ملتهب ومتغيّر باليوم والساعة. من جهة كانت عينها على مضاعفات ما يحصل في مصر في المحيط الإقليمي. وفي ذات الوقت، عينها على صورتها لدى عواصم المنطقة وصداقاتها فيها؛ كما على صورتها لدى شعوب المنطقة التي وعدها الرئيس أوباما ــــ في خطابه في اسطنبول ثم في بالقاهرة ـــــ بفجر أميركي جديد في العلاقة معها. وأخيراً لا آخراً، كانت الحسابات الانتخابية حاضرة في الموقف. فالبيت الأبيض عاد بالذاكرة، على ما يبدو، إلى عام ‬1979 الذي ساهم تعاطي الإدارة يومذاك مع تطورات الوضع الإيراني، في حرمان الرئيس كارتر من تجديد رئاسته. وأوباما لا يريد أن يتكرر السيناريو معه. كل ذلك، مع الأهمية الخاصة التي تكتسبها مصر في معادلة المنطقة؛ أدّى إلى التخبط، الذي صار السمة البارزة لتعامل الإدارة مع الوضع المفتوح في القاهرة. تجلّى ذلك، في تأرجحها بين لغة وجوب البدء في التغيير «الآن» والقيام بخطوات «فورية»، وبين التراجع تحت شعار أن العملية «تحتاج إلى وقت». ضغط ثم استدراك. تقلّب زاد ارتياب عواصم المنطقة وفي ذات الوقت زاد من التشكيك لدى شعوبها. لا طمأن الطرف الأول ولا كشف عن حسن نية تجاه الثاني. كما أنه بدأ يقلب التفهم في واشنطن، إلى مطاردة للإدارة. وسائل الإعلام الأميركية، في غالبيتها الساحقة، باتت تتحدث عن الخلل في سياسة أوباما وتتهمها بالتقصير. في الكونغرس، علت أصوات مماثلة، مع التهديد بإعادة النظر في المساعدات لمصر. بدأ البيت الأبيض يخسر سياسياً. وتخشى مصادره من أن استمرار الأزمة إلى أمد أطول، قد يزيد من تآكل صدقية الرئيس وبالتالي رصيده. التضارب في الموقف الأميركي، ليس ابن ساعته. ولا هو وليد حسابات أوبامية خاطئة فقط.