لم يعتد التونسيون طيلة عقود من تاريخ دولتهم الحديثة إلا على وزراء صارمي الملامح، لكن هذه الصورة النمطية تعرضت للتغيير.

كان الرئيس الاسبق الحبيب بورقيبة لايمانع فى استقطاب وزراء اقوياء الحضور والتأثير، لكنه لم يكن يتوانى عن التحقير من شأن من يخالفه الرأي مثل المرحوم الباهي الادغم، او احمد بن صالح الذي جعل منه كبش فداء التجربة الاشتراكية، وقد كان بورقيبة موهوبا في تحميل وزر اي فشل حكومي الى وزرائه فيخلعهم من مناصبهم وهم لايعلمون بذلك الا من خلال نشرات الاخبار في الاذاعة. اما الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي فكان يختار وزراء غير موهوبين في الخطابة والحديث، وليس لهم كاريزما في القيادة حتى لا يقارن الشعب بينهم وبينه، وهو الذي لم يرتجل في حياته خطابا ولم يجر حوارا مع قناة اذاعية او تلفزيونية. كما كان توقيت الظهور التلفزيوني للوزراء في النشرات الاخبارية محددا بدقيقة للوزير الاول ونصف دقيقة لبقية الوزراء.

وإذا كان زمن بورقيبة قد افرز وزراء نجوما مثل محمد المصمودي ومحمود المسعدي والهادي نويرة ومحمد الصياح ومحمد مزالي واحمد بن صالح وحسان بالخوجة وغيرهم، فإن عهد بن علي كان يركز على النجم الوحيد الذي يدور الجميع في فلكه دون اخذ القليل من بريقه الافتراضي. اليوم وبعد انهيار النظام السابق فوجئ التونسيون بمشهد غريب عنهم، فالحكومة الانتقالية المؤقتة تتكون من وزراء خلعوا ثوب الوقار وظهروا ككل المواطنين العاديين وربما اكثر، فها هو الوزير الاول محمد الغنوشي يتعرض الى ضغوط الشارع الذي دعاه الى الرحيل كونه من رموز العهد السابق. وخلال اول اجتماع لمجلس النواب التونسي بعد الثورة صرخ احد النواب في وجه الغنوشي «اذا خلعتني سأخلعك» وهو تهديد لم يعتد عليه التونسيون طوال ‬55 عاما من حكم بورقيبة وبن علي. وفي مشهد آخر فوجئ المشاهدون بالوزير الاول وهو يجهش بالدموع خلال لقاء اجراه التلفزيون الحكومي معه بعد ايام من انهيار نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، الامر الذي دفع بالكثيرين الى التعاطف مع الغنوشي في حين رأى آخرون ان دموعه قد تضعف من هيبة الدولة في ظرف حرج تمر به البلاد.

وزير الداخلية يفقد معطفه

وفي وزارة الداخلية التي كانت تعني للتونسيين الغموض والرعب والبطش، ووزيرها هو ذلك الرجل المكفهر ذو الملامح القاسية.. بات وزير الداخلية الجديد فرحات الراجحي نجما يظهر على شاشات القنوات التلفزيونية المحلية دون ربطة عنق ليتحدث إلى الشعب وكأنه يتحدث إلى اصدقائه في المقهى.

ووجد التونسيون في هذه التلقائية حالة جديدة عليهم خصوصا بعد ان روى لهم الوزير القصة الكاملة لمحاولة الانقلاب الأمني، عندما هجم عليه عدد كبير من اعوان الامن المسلحين واضطروه الى الفرار من الباب السري لمكتبه تاركا لهم معطفه وهاتفه النقال. ووزير الداخلية جاء من ساحة القضاء، وهناك اجماع على نزاهته، غير ان عفويته المبالغ فيها تخيف البعض ممن يعتقدون ان تونس تحتاج في الظرف الحالي الى رجل قوي يعرف كيف يفرض هيبة الدولة ليستتب الامن ويعود الهدوء الى المجتمع، بعد ان بدأت حالة الفوضى تقلق عامة الشعب.