عرف عن المصريين حب السهر والجلوس على المقاهي حتى بعد منتصف الليل حتى أطلق على القاهرة أنها العاصمة التي لا تنام. وحظر التجوال الساري حتى الآن في القاهرة طرح سؤالا مهما يدور في أذهان كل الذين يعرفون القاهرة جيدا هو: كيف يقضي المصريون لياليهم وهم تحت حصار حظر التجوال خلال الفترة الماضية والمقبلة؟. ويرد معظم المصريين إن سئلوا كيف يقضون ليلهم بأن حظر التجوال «على العين والرأس.. ولكني لن أحبس نفسي داخل 4 جدران». فأغلبهم لا يبقون في بيوتهم حيث ينزلون إلى الشارع أمام منازلهم كمجموعات يجلسون على الكراسي التي يأتون بها من أقرب منزل وكل أحاديثهم تدور حول التظاهرات والوضع الراهن سياسياً واجتماعياً. وفي هذه الجلسات تتبلور الأفكار وتكثر الاجتهادات وكل يدلو بدلوه. وعندما يسمعون طلقات نارية من مكان بعيد يحلل كل منهم الأسباب والمكان المتوقع ويعودون إلى منازلهم بعد الفجر. وهناك البعض ممن يقضي الليل في منزله ليقتصر النقاش والحوار على أفراد الأسرة المتحلقين حول التلفاز يسمعون الأخبار ويحللون الواقع. وقد تنقسم الأسرة إلى مؤيدين للنظام وآخرين يعتبرون أن الإجراءات التي تمت بعد خطابي الرئيس حسني مبارك كافية، وكل يحاول إقناع الآخر بوجهة نظره. يقول عبد الرحمن محمد: «نحن مجموعة من الأصدقاء من الجيران نتجمع بعد صلاة العشاء أمام منزلنا على الشارع. منا من يقوم بتجهيز الشاي وآخر القهوة وغيرها من متطلبات الجلسة لنتحاور بشأن الأوضاع في مصر». ويضيف: «كل من لديه معلومة جديدة يطرحها، ولكن أغلب أحاديثنا تدور بخصوص التوقعات بموعد انتهاء الأزمة الراهنة. ومع اختلاف الرأي تبرز آراء جيدة». ويشير إلى أن الهدوء الحالي في مصر في أغلب الأحيان «يأتي نتيجة رغبة الأكثرية في الاستقرار خاصة في ظل المعاناة التي يشهدها الشارع المصري من إغلاق المحلات والبنوك وأماكن كثيرة للخدمات».
عادات غذائية
أما حسن صابر، مهندس، فقال: «أفضل الجلوس في منزلي مع أبنائي وبناتي وزوجتي ولكننا نسهر إلى ما بعد الفجر نتابع الأخبار جميعاً من خلال القنوات الفضائية ونناقش جميعنا الأحوال في مصر». ويقول إن هذا الوضع «غير كثيراً من عاداتنا الغذائية من حيث الأكل والشرب، حيث كنا نأتي ليلاً ويتم تجهيز العشاء ونأكل سويا وكل في حجرته يسهر كما يشاء، ولكن الآن نجتمع في الصالة حول شاشة التلفزيون لمتابعة القنوات الفضائية التي تتناول القضية». ويضيف: «اختلف شكل العشاء فأصبحت السندوتشات هي الأساس، حيث كل منا أمامه السندوتشات التي يرغب فيها وكل منا يعدها بنفسه حيث نصلي الفجر وننام».
حرية التحرك
ضابط في الجيش المصري طلب تسميته بـ «م. س. م»، سألناه في الشارع عن عدم التشدد في فرض حظر التجوال فقال: «لدينا تعليمات واضحة بعدم الضغط على الناس، وكذلك فإن الهدف من حظر التجوال إتاحة الفرصة للجيش لإلقاء القبض على الهاربين من السجون أو البلطجية الذين روّعوا الشارع المصري خلال فترة التظاهرات، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة للجان الشعبية للمساعدة بتأمين مساكنهم وشوارعهم».
ويضيف: «هذا يتيح لهم الفرصة للتحرك وتسليم كل من يشتبه فيه إلى أقرب قوة من الجيش ولذلك رأينا ان التضييق على الناس أمر قد يسبب ضجراً وغضباً في أوساط الناس، خاصة أنه ليس هناك ما يثير القلق بعد الأسبوع الأول من حظر التجوال الذي نعتبره ناجحاً». ويقول تامر عبد الجابر، شاب في الثلاثين من عمره، مؤكدا أنه وزملاءه يتحركون في مساحة عريضة ليلاً داخل الأحياء ويلتقون بأصدقائهم.
وقال: «أحيانا نذهب لصديق كان في ميدان التحرير لنسأل عن الموقف ونتحاور، ومنه نتحرك إلى مجموعة أخرى تجلس أمام منازلها ونجلس معهم نتحدث وتنقسم آراؤنا أحياناً بشأن جدوى الاعتصام بعد خطاب مبارك وآخرون يؤكدون أن استمرار الاعتصام يضغط على النظام حتى يحقق ما وعد به الرئيس المصري».
ويستطرد: «وخلال هذه الفترة نجد أن الليل تسرب قبل أن نعود إلى منازلنا». وأشار إلى أنه «حينما كان حظر التجوال في المرحلة الأولى يبدأ من الثالثة بعد الظهر كنا ننام حتى السابعة مساء ونخرج في الثامنة مساء لنسهر في شوارع الحي ونلتقط الأخبار ونتابع التطورات عبر الهواتف مع أصدقائنا المعتصمين في ميدان التحرير، لكن الآن أصبح الأمر أكثر يسرا حيث نخرج إلى الشارع ونجلس على المقاهي في المنطقة التي نقطن فيها».
