ممارسة حق الاستفتاء بأبيي ليست هي المرة الأولى التي يعطي فيها سكانها ممارسة حق الاختيار بموجب إحكام اتفاقية أديس أبابا ‬1972، إلا أن هذا الحق تراجعت عنه الحكومة السودانية آنذاك ليصبح إحدى أهم العوامل إعادة اشتعال الحرب في الجنوب.

وبعد مضي ‬35 سنة أعطي سكان ابيي حق ممارسة الاختيار بين البقاء في الشمال أو الانضمام إلى الجنوب لتقرير مصيرهم السياسي حدد تاريخ ‬9 يناير ‬2011 بداية ممارسة الاستفتاء وهو ذات التاريخ الذي مارس فيه سكان جنوب السودان ذات الحق.

بالرجوع إلى اتفاقية السلام الشاملة وقانون استفتاء ابيي الذي وقعه رئيس الجمهورية في ‬31 ديسمبر ‬2009 يقر بإنشاء مفوضية الاستفتاء خاصة ومنفصلة لأبيي مهمتها تهيئة الناخبين، والإشراف على السجل، تقرر بشأن من له حق التصويت ووضع القواعد الخاصة بإجراءات التصويت، بما في ذلك أدوار المراقبين بالتعاون بين حكومتي الخرطوم وجوبا والإدارة المحلية لابيي وتحديد من له حق التصويت حسب معايير المواطنة الذي تقرر المفوضية إلا أنه لم يتم إنشاء المفوضية، عليه لم يتم وضع هذه القواعد بعد. من القضايا الشائكة في قيام استفتاء ابيي هي مسألة رسم الحدود فقد حددت محكمة التحكيم بلاهاي حدود منطقة ابيي من الناحية الشمالية والجنوبية، الناحية الجنوبية تقع في عمق حكومة الجنوب وبالتالي ليس هنالك إشكال في ترسيم الحدود وتطبيقها ولكن في الشمال وهو العمق الذي يقع تحت سيطرة قبائل المسيرية، أما في الشرق والغرب فقد ترك أمره لاستفتاء كل جنوب السودان، حيث الجزء تعرض لكثير من الصعوبات الأمنية.

حق الرعي

تعتمد قبائل المسيرية بشكل أساسي على الرعي وهو ثقافة قبل أن يكون مصدر دخل وطريقة معيشة الذي ارتبط بحركة الأبقار من الشمال إلى عمق الجنوب. إنه بقيام الاستفتاء وإعلان نتائجه بعد أن اختار الجنوبيون الانفصال يدخل كل السودان في مرحلة جديدة بصورة كاملة، حيث تجب كل القوانين والترتيبات الملحقة بها منها حق الرعي ليس استثناء، بل سيصعب الإشارة إليه في حالة انفصال الجنوب لأنه سيكون بمثابة عبور لحدود دولية ينظمها القانون الدولي بالارادة السيادية للدولة.

وبالرجوع إلى نصوص اتفاقية السلام الشاملة فإنه يتم إدماج القوتين العسكريتين من قوات الشعب المسلحة وقوات الحركة الشعبية، وقد تم ذلك في كل المناطق الثلاث ولكن بابيي واجهته بعض الصعوبات التي ترجع إلى الحساسية الشديدة لسكان أبيي خاصة إبان أحداث مايو ‬2008.

إن آثار انفصال جنوب السودان على المناطق الثلاث ستحولها إلى بؤر نزاع أشبه بمنطقة كشمير المتنازع عليها بين الهند وباكستان في المدى البعيد.

ومما يعقد هذا النزاع هو حقيقة أن هذه المناطق ليست كلها خالصة للحركة الشعبية وفق برنامجها السياسي أو تكييفها الثقافي الذي ينزع نحو أفريقيا إذ هنالك إثنيات ذات أصول ثقافة عربية لا تشاركها النظرة بل كانت طرفاً أصيلاً في النزاع المسلح الذي يستهدف تمددها إلى عمق هذه المناطق.

ومن محفزات هذا الصراع هو أن هذه المناطق غنية بالمعادن والبترول والثروات الغابية إضافة إلى تمتعها بنظام إيكلوجي حيوي ظل في حالة نمو مستمر غير أن انفصال جنوب السودان سيكون محفزاً كبيراً للكثير من الاثنيات في السودان أن تحذو حذو جنوب السودان لاسيما وان الصراع الاثنى مازال قائماً.

ويبقى في الختام التحدي الأكبر في كيفية خروج حكومة الخرطوم وجوبا من عقبة ابيي التي كان سبب وجود أبنائها من أمثال وزير الخارجية السابق دينق الور ووزير رئاسة مجلس الوزراء السوداني لوكا بيونق ورئيس استخبارات الجيش الشعبي ادوارد لينو فى الحركة الشعبية السبب الأبرز في صراع وتمسك الجنوب بابيي وكان من الممكن أن تمر قضية ابيي بكل سلام حفظاً للعلاقة التاريخية بين الشمال والجنوب ولكن واقع اليوم لا يجد فيه المراقبون في الأمد القريب بصيص أمل في كيفية الخروج من مأزق ابيي بسلام.