لم يكن الاسم والوظيفة أو المستوى الاجتماعي ولا مستوى التعليم موضع سؤال يطرح بينهم، فالأهم لتنضم إليهم أن تكون من سكان هذا الشارع أو الحي أو تلك القرية حيث أماكن تجمعهم. إنها اللجان الشعبية أو المقاومة الشعبية كما فضل البعض أن يطلق عليها، وجميعها مسميات لمشهد واحد تكرر وجوده بشوارع وحواري وقرى جمهورية مصر العربية دون تفريق بين أحياء راقية وأخرى شعبية، بل اتخذت من الكلمة الأخيرة اسما وصفة.

وفي الوقت الذي خرج فيه آلاف المصريين خاصة الشباب منذ يوم ‬25 يناير الماضي وحتى وصل الإحصاء إلى الملايين مرورا بيوم ‬28 يناير للمطالبة بإسقاط النظام السياسي. جاءت اللجان الشعبية التي شكلها سكان كل منطقة، خاصة الشباب والأطفال لتلعب دوراً في فتح صفحة جديدة في تاريخ مصر الاجتماعي، وجاء ذلك بعد إعلان قرار الحاكم العسكري المصري حظر التجول مساء يوم جمعة الغضب لما يقرب من ‬13ساعة من السادسة مساء وحتى السابعة من صباح اليوم التالي. وخلال فترة حظر التجول شهدت مناطق عدة في مصر ما عرف بـ «حرب الشوارع» بين اللجان الشعبية واللصوص وقطاع الطرق (البلطجية) المسلحين.

كل ذلك كان على اللجان الشعبية مواجهته بكل ما لديها من أدوات المادية منها والمعنوية، وربما ظهور أحد الشباب في الشارع حاملا عصا غليظة (شومة) وآخر لسكين كبير (ساطور) في الساعات القليلة الأولى من غياب الأمن وارتكاب الجرائم كان أمرا يشوبه الريبة والرعب في الوقت ذاته، حيث قد يكون أول تفكير للعقل أنهم من بين هؤلاء البلطجية الذين تحذر منهم وسائل الإعلام، لكن بعد دقائق من ظهور آخرين وتبادل الحديث فيما بينهم يتأكد أنهم جيران لك بدأوا يجتمعون لتشكيل لجنة شعبية الكل مدعو فيها للمشاركة برغبة منهم، بل بمبادرة منهم فما يجد شخص حركة بالشارع إلا وقرر النزول مصطحبا في يده ما هو متاح.

تلك الأوضاع تلخص حال اللجان الشعبية التي لم تقتصر على الشباب فقط وإن كانوا الأكثر عددا وقدرة على الاستمرار لساعات أكثر، بل شارك الجميع بها حتى الشيوخ والرجال والأطفال والنساء، وإن كانت القواسم المشتركة بين اللجان الشعبية في مختلف المناطق والمحافظات هي الأكثر، لكن ربما كان الاختلاف في زمن تواجدها بالشوارع فالمناطق التي تتسم بالهدوء وشهدت أعمال نهب وتدمير للمحلات تتواجد بها اللجنة الشعبية طوال اليوم حيث يتم تقسيم الوقت في شكل دوريات أو ما يسمى «نابطشيات» على شباب الشارع أو المنطقة كل ساعتين أو أربع لضمان حصول الجميع على الراحة في الوقت ذاته، في حين أن المناطق أو الشوارع الجانبية تبدأ المهمة بها بعد بدء ساعة حظر التجول، .وما أن تبدأ ساعات الحظر يأخذ الجميع أماكنهم المتفق عليها، حيث يجلس كبار السن أمام العمارات حاملين للأدوات ذاتها، وهم قد لا يتواجدون طوال ساعات عمل اللجنة وكثيرا ما يصاحب تجمعهم فتح النقاش حول الأوضاع التي تمر بها البلاد والنظر بابتسامة إلى الشباب الذي يمر من فترة لأخرى بالشوارع للاطمئنان على الأوضاع والمردد للتحية التي أصبحت وكأنها كلمة سر للتأكيد على أنهم من المنطقة: «السلام عليكم»، وعند المرور بشباب مثلهم تكون: «السلام عليكم يا رجالة»، ولعل تلك الابتسامة يصاحبها ذكريات عن تلك الفترة.

علامات مبتكرة

وخلف مجموعة من الأحجار أو الحواجز الخشبية أو الحديدية حسب المتاح وربما يصاحبها بعض الكلاب البوليسية المملوكة لأشخاص بالمنطقة تنتشر مجموعة أخرى من الشباب الذين حرصوا جميعهم على وضع علامة مميزة لهم عن غيرهم من لجان المناطق الأخرى، إما بوضع شارات على الأكتاف أو كوفيات حول العنق، بل لجأ البعض إلى عمل بطاقة هوية مطبوعة مثل منطقة صقر قريش بالمعادي كتب عليها: «المقاومة الشعبية صقر قريش»، ومهمة هذا الشباب تفتيش السيارات القادمة بالنظر إلى أوراق الترخيص والهوية للتأكد من أنهم من المنطقة من ناحية، ولإرشاد التائهين أو لتأمين المارين بتوجيههم إلى شوارع أخرى آمنة في حالة حدوث اعتداء على الشارع الذي تريد السيارة المرور به.