أصبح «ميدان التحرير» خلال الأسبوعين الماضيين رمزا عالميا يحمل نصيبا كبيرا من اسمه رغم كونه أحد ابرز ميادين القاهرة. فمنذ ‬25 يناير الماضي وانطلاق شرارة الاحتجاجات المصرية، ومرورا باحتضانه لمظاهرة «يوم الغضب» والتي شهدت صدامات عنيفة بين المتظاهرين ورجال الأمن، تمكن المتظاهرون بعد حوالي أربع ساعات من المصادمات فرض سيطرتهم على الميدان والشوارع المتفرعه عنه. واضطرت قوات الأمن إلى الانسحاب ليس من الميدان فحسب وانما من كل أنحاء مصر.

ومنذ ‬14 يوماً والمتظاهرون يحكمون قبضتهم عليه. وفشلت كل محاولات زحزحتهم عنه، بل استطاعوا بسط سيطرتهم أيضا على جزء كبير من ميدان عبدالمنعم رياض المجاور لميدان التحرير، ودفعوا في سبيل ذلك عشرات القتلى، وآلاف الجرحى والمصابين. وتحول الميدان إلى ما يشبه «المزار السياحي».. ومزار يقبل عليه يوميا الآلاف من المصريين الراغبين في أن تكون لهم مشاركة في صنع حاضرهم ومستقبلهم، والطامحين في أن يكون لهم مساهمة في صنع التغيير.

ويحرص الكثيرون على أن يلتقط لنفسه صورا مع رموز الحركة ومع الشباب الفاعلين، هذا فضلا عن مئات الأجانب الذين يحرصون على ارتياد الميدان يوميا وأخذ الصور وإجراء المقابلات بل والمشاركة في الهتاف والفاعليات رغم تحذير معظم الدول الأجنبية رعاياها إلى مغادرة مصر.

ويعتبر المدخل الرئيسي للميدان حاليا هو للقادمين من ناحية كوبري «قصر النيل» بعد أن أحكمت قوات الأمن وبعض الفئات قبضتها على بقية المداخل وحدثت احتكاكات كثيرة بين مؤيدي النظام الحاكم في مصر والمعارضة.و مازالت بقية المداخل تشهد اصراراً من البعض على الدخول منها، مثل مدخل شارع طلعت حرب، وشارع القصر العيني، ومدخل شارعي رمسيس والجلاء.

هايد بارك

ورغم الأعداد الكبيرة التي تتعدى حاجز المليون في الكثير من الأحيان، إلا أن الميدان في غاية النظافة على عكس المعتاد في الأيام العادية بعد ان تشكلت فرق متطوعين من الشباب تم تكليفهم بمهام النظافة. وفي أركان الميدان تنتشر المجموعات المختلفة بدون تمييز ولكن الجميع لا يقفون في دائرة واحدة، بل في دوائر مختلفة ليتحول الميدان إلى أشبه بـ«هايد بارك» كبير، تتفاعل بينهم النقاشات والحوارات حول الوضع، غير أنه يلاحظ إجماعهم على ضرورة إسقاط النظام بالكامل ورحيل الرئيس مبارك وان اختلفت انتماءاتهم ومشاربهم، فلا يمكن التمييز بين من هو مسلم ومن هو مسيحي، وبين من إخواني ويساري، وحزبي ومستقل.

تجارة وتبرع

ونظرا للأعداد الكبيرة المحتشدة بميدان التحرير وسط حصار أمني، وجده البعض فرصة سانحة للبيع والتجارة وانتشر الباعة في أنحاء الميدان وشوارعه، فانتشر باعة أعلام مصر، وأربطة الرأس بعلم مصر، الأطعمة، السندوتشات، الشاي، السجائر، كروت شحن الموبايل، المياه، المياه الغازية، إلى غير ذلك. وسرعان ما تحول الميدان إلى مكان مناسب للنشاط الاقتصادي، حيث ظهرت مجموعات من أفراد متخصصة ببيع الأطعمة والمشروبات بينما يبادر المتبرعونٍ من الأهالي الذين يأتون إلي الميدان ليوم واحد في محاولة لتقديم يد العون والمساعدة.

لهؤلاء الشباب الذين نجحوا في انجاز ما فشل رجال السياسة في انجازه على مدار أكثر من ‬30 عاماً.