تتحدث سيدة مصرية سمت نفسها (أم أحمد) بعفوية عن وضع عائلتها بعد ‬13 يوماً من التظاهرات في مصر وخاصة في العاصمة القاهرة بالقول: إن حالها باتت أسوأ.

وهذه السيدة المصرية واحدة من آلاف الأسر التي يطحنها الفقر منذ أعوام طويلة، لم تعارض النظام يوما، كما أنها لم تؤيده. وحينما سمعت أن الشباب تظاهروا وتمكنوا من إقالة الحكومة، حلمت بأن يأتي لها المستقبل بكيلو من اللحم لأطفالها الخمسة، لاسيما أنها تعول أطفالا أيتامًا لا مصدر رزق لهم سوى «كشك» صغير لبيع الصحف في وسط القاهرة. لكن أحلام أم أحمد ذهبت أدراج الرياح، بل الكارثة فجعت بها صبيحة الخميس الماضي، حيث فوجئت باحتراق «الكشك» عن آخره، ليتحول إلى حفنة من الرماد حرقت حاضرها ومستقبلها أيضا.

«كشك» صابحة

أما صابحة، وهي امرأة في الـ ‬30 من عمرها وأم لأربعة أطفال، فقد استطاعت بعد شقاء وعناء شديدين أن تحصل على ترخيص «كشك لبيع المناديل والسجائر والحلويات»، تعول منه أيضا زوجها الذي أصيب في حرب أكتوبر العام ‬1973 بعاهة مستديمة. فاجأتها الاحتجاجات الأخيرة بكارثة لم تتحسب لها حين انطلقت صباحا كعادتها للوقوف في الكشك الخاص بها، لكن عينيها دارتا في محجريهما وهي ترى مصدر رزقها محترقا تماماً وقد نهب كل ما فيه. جلست تلطم وتبكي ومن بين نحيبها عبارات متقطعة تؤكد أن عليها ديونًا عديدة، فضلا عن إعالتها أسرتها، لاعنة التظاهرات التي لم تأت لها بعيش كريم كما يرفع المحتجون شعاراتهم، فإذا بها تندب حظها وقد أظلم حاضرها وغاب مستقبلها.

نقطة نظام

لكن، وعلى رغم القصص الأليمة التي امتلأت بها القاهرة في الأيام الماضية، هناك العديد من نقاط النظام المضيئة. فتيان يجمعون القمامة من الشوارع يطوفون وسط المحتجين يأخذون ما معهم من بقايا الطعام ليتركوا المكان نظيفاً.. لجان شعبية تنظم المرور وتسهل السير في كل مكان.. ولجان أخرى ترد المخالفين وتهدي الحائرين وتنصح العابثين. ورفع البعض شعارات: «نعم للتغيير لا للتخريب»، وفي ذلك إظهار أن شعب مصر يريد تغييراً إلى الأفضل والأحسن، وأنه يريد النجاة لوطنه. كما عملت بعض اللجان على مواجهة الاستغلال، فشهدت منطقة شبرا تحطيم مركز اتصالات بشارع الدوران من قبل بعض الأهالي بعد أن قام صاحبه برفع قيمة بطاقات شحن أجهزة الهاتف النقال إلى الضعف، ما اعتبروه انتهازاً للظرف الصعب الذي تمر به مصر. وقامت اللجنة الشعبية في المنطقة بحماية الممتلكات داخل مركز الاتصالات، وفرضت على صاحبه البيع بالسعر الأساسي، والحال نفسه تكرر مئات المرات في محال ومتاجر في كل الأرجاء.

دور التكافل

وتوضح اختصاصية علم الاجتماع د. رشيدة عبد الهادي أن «هناك كثيرًا من الناس لا يعرفون حقوقهم أو إلى من يتحدثون في مثل هذه الحالات، خاصة من هذه الفئات الاجتماعية المهمشة». وتشير إلى انه «على الجميع العمل على توفير ما يمكن توفيره من ظروف تحقق لهذه الفئة الحد الأدنى من المعيشة، حيث لن يكون أمامها إلا أن تستدين أو أن تقترض حتى تحل مشكلتها، لكن ذلك يمثل كارثة بكل المقاييس في ظل عدم قدرة هذه الفئات على النهوض مجددا». وتضيف: «لذلك يأتي هنا دور التكافل الاجتماعي والمؤسسات الحكومية المعنية لإعادة تأهيل مثل هذه الحالات وإقالتها من عثرتها حتى لا تنجرف إلى مزيد من الانفجار».

افتقاد الأمان

بدوره، يؤكد أستاذ علم النفس د. حافظ حسن أحمد أن ما حدث خلال الأيام الماضية سيجعل التوقعات كبيرة بأننا سنستقبل المئات من المواطنين في عياداتنا بعد انتهاء هذه الأحداث، لأن ما يحدث أمامنا شيء غريب لم يعتده المصريون، خاصة الذين تعرضوا لهجوم أو اعتداءات وهم عزل، أو حاولوا أن يغتصبوا بناتهم أو زوجاتهم، وحتى الذين لم يتعرضوا لمثل هذه المشاكل عاشوا أيام الخوف والذعر وكل معاني الترهيب وافتقاد الإحساس بالأمان». ويشير الى انه «دائما ما يؤدي الخوف إلى حالة خطيرة تؤثر بشكل مباشر وعاجل في الحالة النفسية للإنسان، حيث إن هذا النزيف المستمر والنهب والسلب يحمل مردودا سلبيا على نفوس المواطنين، خاصة أن فقدان الأمان وعدم الاطمئنان إذا ترسخ في عقل الإنسان يفقده الاتزان لفترة طويلة، يحتاج حتما إلى معاودة طبيب نفسي».