حين احتل المتظاهرون الميادين العامة الكبيرة والصغيرة في العاصمة المصرية القاهرة وكافة محافظات ومدن مصر تقريبا.. ترى أناس بسطاء (عمال وحرفيون فقراء ) يرتدي أغلبهم جلاليب صعيدية ينسحبون من الميادين ويذهبون في اتجاهات مختلفة حتى يغيبون عن الأنظار لا تعرف من هم؟ ولا أين يذهبون؟، ولا من أين جاءوا؟..

إنهم لا يتحدثون مع أحد، ولا يردون على أحد، هم ينسحبون ويسيرون في هدوء بعيدا عن المظاهرات، يحمل كل منهم فأسا صغيرة على كتفه، يلتف معها قدوم أو شاكوش وأزميل، وهناك من يحمل أسلاكا ومفكات تستخدم في التعامل مع الكهرباء، أو عدة للسباكة، أو النجارة.. وإذا تتبعت أحدهم ستجده يبحث عن مكان بعيدا عن الميدان يجلس فيه القرفصاء واضعا رأسه بين كفيه.. هو يتكور داخل نفسه لأن مصيبته كبيرة فقد احتل المتظاهرون الميدان الذي كان ينتظر رزقه فيه..

 

أجرة اليوم الواحد

حين تتبعنا أحدهم وهو ينسحب من ميدان الفلكي القريب من ميدان التحرير في وسط القاهرة باتجاه أحد الشوارع الجانبية، حتى جلس القرفصاء أمام مقهى مغلق.. اقتربنا منه وتحدثنا معه.. يقول: أنا عوض عبد الجواد من محافظة أسيوط (بصعيد مصر)، عمري ‬33 سنة، متزوج وأعول زوجة وطفلين، أعيش في منزل عائلتي، الذين يرعون زوجتي وأولادي أثناء غيابي، أنا أعمل هنا منذ خمس سنوات وأعود إلى أهلي كل شهر، أخرج كل صباح إلى ميدان الفلكي أجلس ومعي فأسي وشاكوش وأزميل أنتظر أي أحد يطلبني للعمل بمنزله أو مزرعته أو مصنعه، وأحيانا أقوم بهدم جدار أو تكسير بلاط شقة، أو تسوية جزء في أرض مزرعة وقد يستغرق العمل ساعة مثل تنزيل حمولة سيارة نقل، وربما تصل إلى عدة ساعات، وأحيانا يستغرق العمل يوما أو عدة أيام.. في النهاية أحصل على أجري الذي أتفق عليه مع صاحب العمل قبل البدء فيه.. كما أنني أحصل على غذائي من صاحب العمل أيضا.

يضيف عوض: أعود في نهاية العمل إلى غرفة تحت سلم عمارة قريبة من الميدان، وفرها لي بواب إحدى العمارات لأنه من بلدتي بأسيوط وهو قريب لي أيضا.

 

متوسط الدخل

يوضح عوض أنه لا يعرف أحدا بعينه كي يحدد ما إذا كان غنيا أو متوسطا لكنه بالنظر إلى هيئته وإمكانياته يعرف صاحب العمل أو طالب الخدمة، ويقول: بمجرد أن أركب السيارة سواء كانت فاخرة أو متوسطة أو صغيرة أتفهم قدرة الزبون وأقدر الأجر على أساسها.. وفي النهاية كله بالرضا أي رضائي ورضا الزبون.. وفي بعض المرات يكون صاحب العمل كريما معي أقصد أنه يمكن أن يعطيني أكلا يكفيني لعدة أيام وقد يعطيني ملابس، وقد يصل الأمر أن يطلب مني اللجوء إليه إذا احتجت أي شيء.. وفي المقابل ـ يقول عوض ـ نعمل أحيانا عند صاحب عمل لا تتمنى أن تراه مرة أخرى. وعن متوسط دخله الشهري من العمل باليومية أو بالصدفة يقول: غالبا أجمع نحو ‬1000 جنيه في الشهر بعد مصاريفي وأعود بها إلى أهلي.

 

شعور بالقلق

بقي أن نشير إلى أن أحدا لم يقم بدراسة اقتصادية، ولا بحوث اجتماعية حول هؤلاء العمال الذين يعرضون عضلاتهم في أسواق العمل والعضل وكذلك لم يقم أحد الباحثين أو جهة بعمل إحصاء لهم.. غير أن د.سامية خضر أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس توقفت أمام الظاهرة.. لكن من طرف أزمة البطالة في المجتمع المصري.

وأرجعت هذه الظاهرة إلى حالة الفقر المدقع التي يعاني منها قطاعات كبيرة من المصريين، خاصة في الريف، بالإضافة إلى أن أصحاب الأعمال الذين لا يرغبون في التوظيف الدائم للعمال لديهم، حيث أن العمالة الرسمية تلزمهم بمتطلبات أكبر تجاه العمال، وقالت إن هذه السياسة تدفع أعدادا كبيرة كل يوم إلى أسواق العمل العشوائي، وتطالب د. سامية بإدراج هؤلاء العمال ضمن جدول دراسات المركز القومي بحوث الاجتماعية والجنائية.