غصّ ميدان التحرير وسط العاصمة المصرية أمس بمئات الألوف من المصريين الغاضبين المنادين بتغيير النظام، كما خرجت مظاهرات في عدد من المحافظات الأخرى وإنما بأحجام متفاوتة... في حين خرجت للمرة الأولى مظاهرة مؤيدة للنظام وإن كان عدد المشاركين فيها متواضعاً.
واحتفل المتظاهرون بنجاح «المظاهرة المليونية» في شارعي طلعت حرب وعبدالمنعم رياض المؤديين لميدان التحرير وسط القاهرة، إذ نصب المتظاهرون مكبرات الصوت وسط الشوارع والتي انطلقت منها أغان وطنية مسجلة للفنان عبدالحليم حافظ والفنان محمد منير، وردّد المتظاهرون بين الحين والآخر النشيد الوطني المصري.
وتضاربت التقارير حول حجم الحشود المشاركة في المسيرة، فبينما قدرت بعض وكالات الأنباء العدد بـ 300 ألف، قالت مصادر إن عدد المتظاهرين في ميدان التحرير والشوارع المؤدية إليه والميادين والمناطق المحيطة به تجاوز مليون متظاهر بكثير، بل إن هناك تقديرات أشارت إلى أن إجمالي المتظاهرين في جميع مدن مصر قارب ثمانية ملايين شخص.
وكان لافتاً في مظاهرة الأمس مشاركة كثيفة للأحزاب والقوى السياسية.
كما شارك في المظاهرة مواطنون من مختلف الأعمار، فعلى خلاف المظاهرات الماضية التي غلب عليها الطابع الشبابي، شوهد مسنون وأطفال وأعداد كبيرة من النساء.
وحمل عدد من المتظاهرين لافتات تشير إلى أنهم من مناطق أسيوط وسوهاج في الصعيد «جنوب» ومن بورسعيد والسويس (شمال شرق القاهرة)، ومحافظة الغربية (شمال القاهرة). وحين سئل بعضهم عن كيفية تمكّنهم من الوصول إلى القاهرة رغم توقف القطارات، قالوا إنهم جاؤوا سيراً على الأقدام منذ يوم الاثنين الماضي. وكان ميدان التحرير يغص بالمحتجين حتى بعد ساعة من دخول حظر التجول الذي يبدأ في الساعة الثالثة عصراً.
الجيش ينظم
ولم يتدخّل الجيش الذي أحاطت دباباته بمداخل الميدان، على الإطلاق في نشاط المتظاهرين وكان عمله الوحيد يقوم على تنظيم دخولهم وخروجهم، فيما حلقت منذ ساعات الصباح الأولى مروحيات فوق وسط القاهرة.
وشكل المتظاهرون لجاناً شعبية انتشرت على مداخل الميدان للتحقق من هويات المتظاهرين و«كل من تشير بطاقته إلى أنه من وزارة الداخلية» بحسب أحد الناشطين الذي أعاد ذلك إلى الخوف من «تسلل عناصر مدسوسة من وزارة الداخلية لإثارة الشغب». وذكرت تقارير وشهود ان مؤيدين للرئيس مبارك اشتبكوا مع محتجين عليه في مدينة كفر الشيخ بدلتا النيل وان أربعة أصيبوا.
وقال شاهد ان مؤيدي مبارك الذين وصل عددهم الى 200 وكانوا مسلحين بالسيوف والسواطير هاجموا المحتجين الذين وصل عددهم الى ألوف.
تظاهرات المحافظات
كما شهدت العديد من المدن المصرية تظاهرات لم يعرف حجمها، في كل من: الإسكندرية والفيوم.. وفي السياق، خرجت تظاهرة حاشدة في السويس شارك فيها أكثر من 02 ألفاً.
وقال شهود عيان ان نحو عشرة آلاف محتج تدفقوا الى الشوارع في مدينة طنطا عاصمة محافظة الغربية بدلتا النيل ومدينة المحلة الكبرى.
وفي المنصورة قال شهود عيان ان نحو 100 ألف محتج نظموا مظاهرة في عاصمة محافظة الدقهلية.
من المشهد
- أفاد مراسلو وكالة «فرانس برس» بأن جميع مداخل القاهرة والمدن الرئيسية التي ينتظر أن تشهد تظاهرات أغلقت.
- قال نور عبدالرحمن من الجمعية الوطنية للتغيير التي يقودها البرادعي إنه «رغم احترام الشعب المصري للجيش إلاّ ان المتظاهرين لن يقبلوا أن تتحول مصر إلى دولة عسكرية».
- هتف أحد شباب الاخوان المسلمين رداً على تخوف البعض من أن «يخطف» الاخوان الاحتجاجات :«نحن لم نرفع أية شعارات دينية.. كل ما نتمنّاه هو أن نستطيع فرض نظام ديمقراطي».
- كان في صفوف المتظاهرين الممثلون عمر الشريف وبسمة وزكي فطين عبد الوهاب وعمر واكد وخالد الصاوي وخالد أبوالنجا والمخرج خالد سعيد والمقدم الإعلامي محمود سعد.
- أبدى المحتجون اطمئناناً تاماً الى جنود الجيش المصري المتمركزين بدباباتهم في ميدان التحرير، خصوصا ان الجيش تعهد في بيان رسمي مساء أول أمس أنه «لم ولن يستخدم القوة ضد الشعب المصري».
ضحايا
أعلنت مفوضة الأمم المتحدة العليا لحقوق الإنسان نافي بيلاي أن 300 شخص قتلوا منذ بدء حركة الاحتجاج في مصر، موضحة أن هذه الحصيلة تستند إلى «تقارير غير مؤكدة».
وأعربت بيلاي عن «قلقها العميق لتزايد عدد القتلى» في مصر التي تشهد تظاهرات غير مسبوقة. وأضافت في بيان أن عدد القتلى يرتفع يوميا ويتحدث بعض التقارير غير المؤكدة عن مقتل 300 شخص على الأرجح، وعن أكثر من ثلاثة آلاف جريح ومئات المعتقلين.
المصريون يتسابقون للتبرع بالدماء لإغاثة الضحايا
في قاعة مظلمة خلف مستشفى القصر العيني القديم تكدس عشرات المواطنين الذين هبوا للتبرع بالدم تضامنا مع ضحايا الاحتجاجات التي تشهدها مصر منذ ثمانية أيام، والذين وصل عددهم إلى 125 قتيلا على الأقل وآلاف الجرحى.
ويقول حسن وهو شاب في العشرين، وقد جلس على مقعد خشبي طويل في بنك للدماء أقيم على عجل في فناء هذا المستشفى الجامعي الكبير في وسط القاهرة: «نحن هنا من اجل إخواننا في الشارع».
ويؤكد حسن وحقنة مغروسة في ذراعه تسحب منه السائل الأحمر وتضخه في كيس بلاستيكي ليستخدم بعد ذلك في إسعاف جريح من ضحايا المواجهات الدامية بين قوات الأمن والمتظاهرين: «إنها المرة الأولى في حياتي التي أتبرع فيها بالدم».
وتقول رقية الشابة المحجبة: «جئت الى هناك لأن هناك ضحايا. لم يصب احد من أهلي لكنني جئت من تلقاء نفسي للتبرع بالدم».. في حين يقول باسم وهو طبيب شاب ملتح: «أريد ان أساهم بإيجابية فيما يحدث لذلك أتبرع بدمي. التحطيم شيء سلبي لكن التبرع بالدم شيء ايجابي».
وبسعادة يقول اشرف محمود حاتم المدير العام للمستشفى في مكتبه الواسع الذي توجد على احد جدرانه صورة كبيرة للرئيس حسني مبارك إن «الكثير من الجرحى فقدوا كمية كبيرة من الدماء.. في المعتاد لدينا 400 متبرع يوميا لكن الآن لدينا 1500 متبرع».
ويوضح مدير المستشفى انه استقبل العديد من المتظاهرين المصابين برصاص مطاطي في الرأس لكن كان هناك أيضاً المصابون بالرصاص الحي أو الذين يعانون من مشاكل نتيجة استنشاق الغاز المسيل للدموع.
ويضيف: «المشكلة الرئيسية لدينا هي إصابات العيون. عادة نستقبل حالتين أو ثلاثاً من هؤلاء لكن الآن لدينا 68 حالة. وعلينا ان نجري العلميات خلال يوم أو يومين وإلا فقد المصاب البصر».
