اتخذ الرئيس المصري حسني مبارك حزمة قرارات سريعة تهدف لتنفيس الاحتقان الشعبي، فعيّن نائباً للرئيس بعد شغور هذا الموقع لثلاثة عقود، وعزل الحكومة السابقة برئاسة د. أحمد نظيف، وأوكل إلى وزير الطيران فيها الفريق أحمد شفيق مسؤولية تأليف وزارة بديلة، تحقق الإصلاحات التي وعد بها المصريين في خطابه صبيحة السبت.
وأدى مدير الاستخبارات العامة عمر سليمان اليمين الدستورية مساء أمس أمام الرئيس مبارك كأول نائب له، بعد ساعات من خطابٍ لمبارك بدا فيه وكأنه بصدد تغير التركيبة السياسية بعدما كان حذر فيه من الانقضاض على الشرعية، معرباً عن أسفه لسقوط ضحايا، ومشدداً على أن جهات لا يهمّها أمن مصر تركب موجة التظاهرات لتستغلّها لصالحها، في حين نوه إلى ان لا تراجع عن طريق الإصلاح.
وبث التلفزيون الحكومي المصري مساء أمس لقطات تظهر سليمان وهو يؤدي اليمين الدستورية كأول نائب لمبارك منذ تولي الأخير سدة الرئاسة العام 1981. وعلى الفور، ذكرت وكالة أنباء «الشرق الأوسط» المصرية الرسمية أن مبارك كلف وزير الطيران الفريق أحمد شفيق لتشكيل الحكومة الجديدة التي كان رئيسها السابق أحمد نظيف أعلن ظهر أمس استقالتها خلال اجتماع طارئ تنفيذاً لما جاء في الخطاب الذي وجهه الرئيس حسني مبارك إلى الأمة فجر أمس، على أن تشكل حكومة جديدة.
وكان مبارك أعلن في خطاب وجهه إلى الشعب المصريّ أنّه «طلب من الحكومة المصريّة الاستقالة»، مشيراً إلى أنه «سيكلف حكومة جديدة سيوكل إليها مهام عينيّة ومحدّدة تتعلّق بمطالب الشّعب». وقال إنه «لن يتهاون في اتخاذ أي إجراء لحماية مصر وأمنها وأمن مواطنيها»، مؤكداً أنّ «طريق الإصلاح الذي اتّخذناه لن نتراجع عنه».
وأضاف: «تابعت تحرّكات الشارع المصريّ أوّلاً بأوّل وكانت تعليماتي للحكومة إتاحة الفرصة للتّعبير عن آراء المواطنين ومطالبهم» وأضاف مبارك: «أيها الإخوة المواطنون، لقد جاءت هذه التظاهرات لتعبر عن تطلعات مشروعة للمزيد من الديمقراطية ولمحاصرة البطالة وتحسين مستوى المعيشة ومكافحة الفقر والتصدّي بكل حسم للفاسد، إنني أعي ظروفهم ومطالبهم وأعلم جيداً قدر همومه ومعاناته». وذكر أن «ما نواجهه من مشكلات وما نسعى إليه من أهداف لن يحققه اللجوء إلى العنف ولن تصنعه الفوضى، وإنما يحققه الحوار الوطني والعمل المخلص الجاد وليس نهب الممتلكات العامة والخاصة وإشعال الحرائق وهدم ما بنيناه».
الشباب والإصلاحات
وبشأن الإصلاحات الاجتماعيّة، قال مبارك: «قناعتنا ثابتة لا تتزعزع بمواصلة الإصلاح السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ من أجل مجتمع مصريّ حرّ وديمقراطي، لقد انحزت وسوف أظلّ للفقراء من أبناء الشعب على الدوام مقتنعاً من أن الاقتصاد أكبر وأخطر من أن يترك للاقتصاديين وحدهم». وأردف أن «برنامجنا لمحاصرة البطالة وإتاحة المزيد من خدمات التعليم والصحة والإسكان للشباب والمواطنين سيستمر ولن يتوقّف».
ودعا مبارك إلى أن «تبقى البلاد مستقرّة، وأن تبقى مصر وطناً لشعب متحضّر وعريق لا يضع مكتسباته وآماله في المستقبل في مهبّ الرّيح». وشدد على أن ما حدث في هذه التظاهرات «تجاوز كلّ الحدود ويأتي ضمن مخطّط أبعد من النّهب والسّلب لزعزعة الاستقرار والانقضاض على الشرعية». ووجّه مبارك كلامه إلى شّباب مصر، واصفًا إيّاهم بأنّهم «أغلى ما لديها»، قائلاً: «أهيب بشبابنا وبكلّ مصري ومصرية مراعاة صالح الوطن وأمنه»، متابعاً: «إني لأتحدث إليكم اليوم لا كرئيس للجمهوريّة فحسب وإنما كمصري شاءت الأقدار أن يتحمل مسؤولية هذا الوطن».
أسف وتحذيرات
ولفت الرئيس المصري إلى أنه وجه تعليماته للشّرطة «بحماية المواطنين، وكان ذلك واضحاً في تعامل قوات الشرطة مع شبابنا، فقد بادرت إلى حمايتهم في بدايتها احتراماً لحقهم في التظاهر السلمي طالما تمّ في إطار القانون، ونحن لا نقبل أن تتحول هذه التظاهرات لأعمال شغب تهدد الأمن العام». ونوه إلى أن هذه التظاهرات «وما شهدناه قبلها من وقفات احتجاجية خلال الأعوام الماضية، ما كان لها أن تتم لولا المساحات العريضة لحريات الرأي والتعبير والصحافة ولولا ما تشهده مصر لتفاعل غير مسبوق لقوى المجتمع».
وحذّر الرئيس المصري من «أعمال العنف واستمرار أعمال الشّغب التي قد تؤدّي إلى مسّ استقرار مصر والانجراف بها وبشعبها لمنزلقات خطيرة، تهدّد النظام العام والسلام الاجتماعي ولا يعلم أحد مداها وتداعياتها على حاضر الوطن ومستقبله». واتّهم مبارك «بعض الجهات التي لا يهمّها أمن مصر ومستقبلها»، بأنّها «تركب موجة التظاهرات لتستغلّها لصالحها»، معرباً عن الأسف لسقوط قتلى بالقول: «أسفت كلّ الأسف لما أسفرت عنه المظاهرات من ضحايا أبرياء من المتظاهرين وقوات الشرطة».
أوباما يدعو إلى اصلاحات «ملموسة»
دعا الرئيس الاميركي باراك اوباما نظيره المصري حسني مبارك في مكالمة هاتفية فجر أمس الى القيام بإصلاحات «ملموسة»، مشيرا الى انه طالبه بـ«الوفاء بالتعهدات» التي قطعها في خطابه، في وقتٍ استمرت دعوات دول عديدة لرعاياها بتجنب زيارة مصر، فيما أجلت إسرائيل أسر العاملين في سفارتها بالقاهرة.
ففي اتصال هاتفي استغرق 30 دقيقة، دعا أوباما الرئيس مبارك إلى «اتخاذ خطوات ملموسة للاصلاح السياسي والامتناع عن استخدام العنف ضد المتظاهرين المعارضين».
وقال اوباما في خطاب تلفزيوني، في اعقاب المكالمة الهاتفية، ان الشعب المصري «لديه حقوق يتشارك بها الجميع بما فيها الحق في التجمع سلميا وفي حرية التعبير وامكانية تقرير المصير». واكد انه طلب من مبارك ان «يفي بالتعهدات التي قطعها في خطابه للمصريين». وأردف: «قلت له ان لديه مسؤولية اعطاء معنى لهذه الكلمات وعليه اتخاذ خطوات ملموسة للايفاء بتعهداته»، مستطرداً: «بالتأكيد ستأتي أيام صعبة، لكن الولايات المتحدة ستواصل الوقوف إلى جانب حقوق الشعب المصري والعمل مع حكومته في السعي لتحقيق مستقبل أكثر عدلا وحرية وأكثر أملا».
وأشار أوباما إلى أن الولايات المتحدة ومصر «يتمتعان بشراكة وثيقة»، لكنه قال: «لقد كنا أيضا واضحين بشأن حتمية إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية تلبي طموحات المصريين». وأضاف أوباما أن «قمع الأفكار لن ينجح في القضاء على مظالم الشعب المصري»، على حد وصفه.
