شهدت مصر أمس، سباقاً مع الزمن بين المسارين الميداني والسياسي.. فبينما تواصلت حالة التدهور الميداني الأمني، وكسر عشرات آلاف المصريين الغاضبين حظر التجول الذي تم تمديده في مدن القاهرة والإسكندرية والسويس من ‬13 إلى ‬16 ساعة.. فيما زادت جرعة المواجهات والفلتان مع تواتر التقارير عن مقتل ما يزيد على ‬80 شخصاً وجرح نحو ‬2000 خلال يومين، ووصلت ليلاً إلى مستوى الذعر لدى العديد من سكان القاهرة وغيرها من المراكز بسبب انعدام الأمن وسماع أعيرة نارية وحرائق عشوائية وأعمال نهب، ما دفع بقيادة الجيش إلى توجيه بيان تحذر فيه من التعامل بقسوة مع من يخرق حظر التجول ومع عمليات التعدي على الأهالي.

واستمر آلاف المحتجين المصريين يجوبون الشوارع بعد الساعة الرابعة مساء وهو الموعد الجديد الذي حددته السلطات لبدء سريان حظر التجول متحدين بذلك تحذير الجيش بأن كل من سيظل في الشوارع سيعرض نفسه للخطر.

وظل المحتجون في وسط القاهرة، حيث تمركزت دبابات الجيش. وبقي المحتجون أيضاً في شوارع الإسكندرية التي استخدمت فيها الشرطة الغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين وخاصة بعدما اشتبكت الشرطة بالذخيرة الحية.

وإلى جانب القاهرة والإسكندرية اندلعت اشتباكات كذلك في السويس.. كما اندلعت صدامات عنيفة في مدينة الإسماعيلية.

وتزايدت مظاهر التمرد ووصلت الذروة مع محاصرة المحتجين القرية الذكية عند مدخل طريق مصر إسكندرية الصحراوي، التي كان ينعقد فيها الاجتماع الوزاري الأخير، ما دفع بقيادة أركان الجيش إلى تحريك دبابات لحماية الوزراء.. واقتحم الغاضبون سجني أبوزعبل وطرة، وسقوط ثمانية قتلى و‬123 مصاباً في مواجهات استخدمت خلالها سلطات السجن الأول النار عشوائياً على المهاجمين.

وكانت النيران تشتعل في مبان حكومية منها مقر الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم بعد أن أضرم متظاهرون تحدوا حظر التجول النار فيها الجمعة.. كما أحرق محتجون في محافظة أسوان (أقصى جنوب مصر) مقر الحزب الوطني في مدينة ادفو، كما اقتحموا مقر البنك الأهلي المصري في مدينة كوم امبو. وقال شاهد عيان: «النار أكلت مقر الحزب».

وكانت الشرطة فتحت النار على ‬1000 محتج حاولوا اقتحام مقر وزارة الداخلية.. في وقت اصطفت الدبابات في الشوارع المؤدية إلى ميدان التحرير والتي تناثر فيها الحطام والإطارات المحترقة والأخشاب المتفحمة التي كانت تستخدم كحواجز. وبدا المحتجون أقل عدداً من الأيام الماضية لكنهم ليسوا أقل تصميماً.

قتلى

وبعد يومين عصيبين، أفادت إحصاءات وكالة «رويترز»، استناداً إلى تقارير من مصادر طبية ومستشفيات وشهود بأن ما لا يقل عن ‬80 شخصاً قتلوا في الاحتجاجات.. في حين قالت مصادر طبية إن نحو ‬2000 شخص أصيبوا.

ووردت أنباء عن سقوط نحو ‬68 قتيلاً في القاهرة والسويس والإسكندرية، وقبل ذلك أعلنت قوات الأمن أن ما لا يقل عن ستة أشخاص بينهم شرطي قتلوا.

وفي الإسكندرية، أفادت قناة «الجزيرة» بأن مراسلها رأى أكثر من ‬20 جثة في مدينة الإسكندرية في أعقاب احتجاجات الجمعة.

وفي سجن أبوزعبل القريب من العاصمة قتل ثمانية أشخاص في إطلاق نار عشوائي خلال عملية اقتحام السجن من قبل غاضبين.. وسط تقارير غير مؤكدة عن مقتل ‬70 آخرين في اقتحام محتجين لسجن طرة.

دبابات إلى «الغربية»

وكان شهود عيان أفادوا عصر أمس، بأن دبابات انتشرت في ثلاث مدن في محافظة الغربية التي شهدت احتجاجات عنيفة خلال الأيام الماضية.

وقال شاهد في مدينة المحلة الكبرى التي تشتهر بصناعة الغزل والنسيج، إن دبابات رابطت أمام قسم شرطة أول المحلة الكبرى وقسم شرطة ثاني المحلة الكبرى وشركة مصر للغزل والنسيج ومبنى مجلس المدينة. وقال شهود آخرون إن انتشاراً مماثلاً تم في مدينة طنطا عاصمة المحافظة ومدينة كفر الزيات.

وفي السياق، انتشرت قوات من الجيش حول مبنى محافظة الأقصر بصعيد مصر، والمنشآت الحيوية في المدينة، فيما تمركزت قوات من الشرطة قرب مبنى المحافظة.

حماية المطار

وخضع مطار القاهرة الدولي لحماية الجيش، حيث تمركزت العربات المدرعة والمدافع الخفيفة على جميع مداخل ومخارج المطار للحفاظ والسيطرة على الحالة الأمنيّة.

وقررت شركة مصر للطيران إجراء بعض التعديلات على جداول التشغيل بما يتناسب مع توقيتات قرار حظر التجوال.

إلى ‬16 ساعة

وكان الجيش المصري سعى إلى السيطرة على الاحتجاجات عبر مد حظر التجول في مدن القاهرة والإسكندرية والسويس من ‬13 إلى ‬16 ساعة من ‬4، عصرا إلى ‬8 صباحا لكن المحاولة كانت فاشلة وبلا أثر.

وفي الساعة ‬9 مساء، وجه ناطق باسم وزارة الدفاع تهديداً صارماً للمحتجين الذين طالبتهم الوزارة بالالتزام بقرار الحظر، ملوحة باستخدام إجراءات قاسية وشديدة.

وكان الجيش أعلن في بيان تلي عبر التلفزيون الرسمي المواطنين إلى حماية أنفسهم من أعمال النهب والتخريب.

ودعا الجيش المواطنين إلى التصدي للمخربين وحماية مصالح الأمة وحماية أنفسهم. كما دعا السكان إلى الالتزام بصرامة بقرار حظر التجول. لكن وزارة الدفاع أعلنت ليلاً أن القوات المسلحة ستتحرك لضمان الأمن. وحذر من أن الدولة ستتعامل «بحزم» مع المخالفين.

لجان أمن شعبي

وفي تطور ميداني، أنشأ الأهالي لجاناً أمنية شعبية للمساهمة في حفظ الأمن بعد تعرض عدد من الأحياء للنهب والسلب ليل الجمعة السبت، إذ نقلت مصادر إعلامية عن شهود عيان أن الذعر يسيطر على سكان عدد من أحياء القاهرة وغيرها من المراكز، بسبب انعدام الأمن وسماع أعيرة نارية وحرائق عشوائية وأعمال نهب، ما دفع بسكان بعض الأحياء الميسورة إلى طلب نجدة الجيش الذي انتشرت عرباته لحمايتهم.