لم يسبق أن طغت سيرة منطقتنا على الاهتمامات الأميركية، كما هي اليوم. كما لم يسبق أن ارتبك التقييم والموقف في واشنطن حيال أحداثها وتطوراتها، بالصورة الحاصلة حالياً.
حضور حالة الغليان، من تونس إلى مصر مروراً بلبنان والجزائر واليمن، زاحم زيارة الرئيس الصيني، في الأيام الأخيرة. واليوم، تقاسم العناوين الرئيسية وصفحات الرأي والبرامج المرئية، مع خطاب الرئيس أوباما عن حالة البلاد.
تزامن وتوالي أحداث هذه الساحات، فضلاً عن زخمها وسرعة انتشارها؛ فاجأ سائر الأوساط والدوائر الأميركية المعنية. في الإدارة ووسائل الإعلام ومراكز الدراسات والأبحاث. وكان من الطبيعي، أن تتباين قراءات المعلقين والمحللين، في تشخيص أسبابها كما في محاولات استبيان مساراتها ومآلها. والأهم، في صياغة الموقف المناسب لواشنطن منها.
تفاقم التطورات في مصر، رفع منسوب الاهتمام والقلق؛ لدى الإدارة والجهات المهتمة بشؤون السياسة الخارجية، في العاصمة الأميركية. انعكس ذلك في سائر الردود الرسمية وغيرها. الوزيرة كلينتون بدت في تصريحاتها، كما البيت الأبيض؛ وكأنها تمشي على حبل رفيع ومشدود. تدرجت من التطمين إلى التحذير من الإفراط في استخدام القوة، ثم إلى دعوة السلطات والشارع إلى ضبط النفس.
الرئيس أوباما ذهب خطوة إضافية. في خطاب حالة الاتحاد وفي سياق إعلانه صراحة عن وقوفه إلى «جانب الشعب التونسي»؛ أضاف بأن إدارته «تدعم الطموحات الديمقراطية لكافة الشعوب».
الرأي السائد في صفوف المراقبين، بدا في اليومين الأخيرين يأخذ منحى ترجيح كفة الدعوة إلى ركوب موجة الانتفاضة الجارية في عدة بلدان. هاجس الحذر من التطرف كبديل، لجم هذا التوجه في البداية. لكنه سرعان ما بدأ يميل نحو المجاهرة في دعم الانتفاضات المتواصلة.
حتى الدوائر المحافظة، أو على الأقل بعضها النافذ؛ حسم في هذا الاتجاه. التعليل، أن البديل قد جرى تجريبه، لكن من غير جدوى. وأيضاً انتهى «فرض الديمقراطية عن طريق التدخل العسكري»، كما في العراق؛ إلى غير نتيجة. وبالتالي، لا بدّ من «ترك العملية تأخذ مجراها»، ومن أن تقوم واشنطن «بإبلاغ العرب بأنها تقف إلى جانب الحرية السياسية»، على حدّ افتتاحية «وول ستريت جورنال» المحافظة. حتى بعض الأصوات الليبرالية، جاهر في ما يشبه التحريض على الوضع السياسي المصري.