خلال عهدي الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة (1957- 1987) وزين العابدين بن علي (1987- 2011) سيطرت نخبة منطقة الساحل التونسي على مراكز القرار السياسي لاعتبارات عدة منها أن بورقيبة وبن علي ساحليان، فالأول من مدينة المنستير والثاني من مدينة حمام سوسة.
وعلى امتداد ثورة التونسيين التي أطاحت بنظام بن علي، كانت أصوات المناطق الداخلية تدعو إلى العدالة بين الجهات المختلفة في البلاد، و«الكف عن احتكار الساحل للمناصب والموارد والمشاريع الكبرى». ولكن «الساحل» الذي حكمت نخبته البلاد، لا يمكن أن يتخلى عن ذلك حتى بعد ثورة 14 يناير، فمن يتأمل في تركيبة الحكومة يلاحظ حضوراً قوياً لمنطقة الساحل، إذ ان الوزير الأول محمد الغنوشي ووزير الخارجية كمال مرجان ووزير السياحة والتجارة محمد جغام ينتمون إلى مدينة حمام سوسة مسقط رأس الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، كما أن الوزيرين رضا قريرة وعبدالحكيم بورادي من مدينة سوسة التي لا يفصلها عن حمام سوسة إلا بعض الكيلومترات.
وينتمي محافظ البنك المركزي التونسي مصطفى كمال النابلي إلى مدينة طبلبة الساحلية المقترنة جغرافياً بمدينة حيادة التي ينتمي إليها قائد جيش البر الجنرال رشيد عمار.. فيما ينتمي عبدالجليل البدوي الوزير لدى الوزير الأول المستقيل ضمن الوزراء المحسوبين على الاتحاد التونسي للشغل، إلى مدينة المنستير الساحلية، وهي المدينة ذاتها التي ينتمي إليها عبدالوهاب عبدالله وعبدالعزيز بن ضياء، الوزيران المستشاران المقربان من بن علي والموضوعان حالياً رهن الإقامة الجبرية.
كما ينتمي حسين الديماسي وزير التكوين المهني والتشغيل المستقيل هو الآخر مع وزراء اتحاد الشغل إلى مدينة قصر هلال من محافظة المنستير، وهي المحافظة ذاتها التي ينتمي إليها العميد توفيق الدبابي المدير الجديد للأمن الرئاسي بعد القبض على المدير السابق علي السرياطي وعرضه على القضاء بتهمة بث الفوضى والتآمر على أمن البلاد.
كما ينتمي العجي القروي النائب الأول لرئيس مجلس النواب، والذي آلت إليه رئاسة البرلمان بعد أن تولى فؤاد المبزع الرئاسة المؤقتة للجمهورية إلى محافظة سوسة، جوهرة الساحل التونسي.
ويعتبر الساحل مصدر النخب السياسية في تونس منذ الاستقلال، حيث ينتمي إليه جميع رؤساء الحكومات المتداولين على السلطة، مثل: أحمد بن صالح، والباهي الادغم، والهادي نويرة، ومحمد مزالي، والهادي البكوش، وحامد القردي، ومحمد الغنوشي، إضافة إلى شخصيات أخرى أثرت في تاريخ تونس الحديث من بينهم: محمد المعمودي، والبشير بن سلامة، ومحمد الصياح، وعبدالوهاب عبدالله، وعبدالعزيز بن ضياء وغيرهم.
وعُرفت تونس دائماً بهيمنة الساحل على السلطة السياسية، وصفاقس على السلطة الاقتصادية، والعاصمة على السلطة الثقافية تماشياً مع طبيعة نخبها الفرانكفونية المتجاوبة مع خيارات المستعمر القديم في تجاوز العمق العربي لمناطق الداخل.
ويعتبر الرئيس المؤقت للجمهورية فؤاد المبزع أول رئيس للبلاد من خارج المنطقة الساحلية، حيث انه ينتمي إلى أسرة عريقة في حاضرة تونس تعود جذورها إلى العهد العثماني.
