ينظر التونسيون بإعجاب وتقدير كبيرين لقائد أركان جيش البر الفريق أول رشيد عمار الذي رفض إطلاق النار على المتظاهرين ودعا الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي إلى مغادرة السلطة حفاظاً على تونس. ومنذ تأسيسه بعيد استقلال البلاد في مارس 1956، لم يعرف عن الجيش التونسي انه تدخل في الشأن السياسي إلا من خلال ما قيل عن تورط بعض الضباط في محاولة الانقلاب على الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة العام 1962 بقيادة الأزهر الشرايطي وما راج عن خطة عسكرية قادها ضباط اسلاميون للإطاحة بنظام بن علي في أوائل التسعينات من القرن الماضي.
ومنذ ان وصل الرئيس المخلوع إلى سدة الحكم العام 1987 عمل على تهميش دور الجيش وإضعاف مستوى تسليحه مقابل تسليح قوات خاصة تابعة لأجهزة الأمن بطائرات ومدفعيات ودبابات وغيرها من التقنيات الحديثة.
خلفيات وجنود
ومع بدايات ثورة الشعب التونسي في ديسمبر الماضي، وجد بن علي نفسه أمام معضلة حقيقية خصوصاً وأن أغلب رجال الأمن ينتمون إلى المناطق الداخلية التي انطلقت منها الانتفاضة بل أن اكبر محافظة من حيث تصدير رجال الأمن إلى وزارة الداخلية هي محافظة سيدي بوزيد التي اشتعلت فيها شرارة الثورة. كما ان النسبة الأكبر من مجندي الجيش تعود جذورهم إلى المناطق الداخلية المحرومة باستثناء بعض القادة ومنهم الفريق أول رشيد عمار الذي ينتمي إلى أسرة عادية من «صيادة» المنطقة الساحلية التابعة لمحافظة المنستير مسقط رأس الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة ونخبة من الساسة الكبار الذين جمد بن علي نشاطهم. وبعد فرار بن علي من تونس، عمل الجيش على إعادة الأمن والاستقرار حيث ظهر اسم الفريق أول رشيد عمّار كرمز من رموز المرحلة وأحد الفاعلين الأساسيين في إدخال تونس إلى عهد الحرية و أثار إعجاب التونسيين والمراقبين الأجانب استبعاد الجيش نفسه من أي صراع على السلطة.
انزعاج عسكري
ولكن قيادة الجيش ليست بعيدة عن الواقع، وهي تراقب بقلق بالغ محاولات زرع الفوضى في الشارع وتنظر بشيء من الانزعاج إلى ما تسعى إليه بعض الأحزاب الراديكالية من داخل الهياكل النقابية إلى إسقاط حكومة الوحدة الوطنية. ومن هذا المنطلق ظهر الفريق أول رشيد عمار لأول مرة أمام متظاهرين معتصمين في ساحة قصر الحكومة بالقصبة ليقول باسم رجال القوات المسلحة: «نحن أوفياء لدستور البلاد وسنصونه ولن نخرج عن إطاره» في إشارة واضحة إلى عدم اتجاه الجيش إلى الإمساك بمقاليد الحكم أو التدخل في الشأن السياسي. وليضيف أمام المتظاهرين: «مطالبكم مشروعة، لكني أود أن تخلو ساحة قصر الحكومة» حتى يتسنى لهذه الحكومة و لغيرها مباشرة عملها». وفي كلمات عمّار ما يفيد بأن الجيش يطلب من الشعب المساعدة على إعادة الهدوء حتى تستطيع الحكومة الحالية أو أية حكومة أخرى العمل على الخروج بتونس من مرحلة الطوارئ ومن الظروف الاستثنائية وأن يدرك المتظاهرون أن الفوضى ليست في مصلحة أحد لأنها تؤدي إلى فراغ يؤدي إلى رعب يؤدي بدوره إلى عودة الديكتاتورية ولو في شكل جديد.
