الحديث عن غلاء الأسعار في جنوب السودان، خاصة في حاضرتها جوبا، يسيطر على مناقشات الناس فيها، وهو ما جعل كثيرين يفكرون عدة مرات في نوع العملة التي سيأخذونها معهم إلى جوبا، وكمية النقود التي تكفي لعشرة أيام هي المدة التي قرر أكثر من زائر لجوبا هذه الأيام أن يقضيها هنا، لحضور الحدث التاريخي الأبرز في السودان ، الاستفتاء على الانفصال الذي انتهى في 15 يناير الماضي.
مؤشرات اقتصادية جديدة بدأت تترسخ في دولة الجنوب السوداني المرتقبة ، فإذا أردت أن تصطادَ من أسماك نهر النيل الابيض القادم من يوغندا المجاورة سيُنظر إليك في جوبا على أن ما تقوم به يعد ضربا من عدم التعقل. فقط عليك أن تنتظرَ البواخر القادمةَ من كينيا والشاحنات من يوغندا المجاورتيْن لتأتيك بالبضائع من كل نوع وبأسعار أقل. فرُغم أن جوبا لا تزال تتبع لشمال السودان لكنها تفتقر إلى بضائعه بسبب بعد المسافة، وارتفاع أسعار البضائع القادمة إليها من الشمال، مقارنة بتلك التي تأتي من دول الجوار القريبة.
وقدوم السلع من دول الجوار امر أقرت به حكومة الجنوب نفسها، ممثلة في وزير التجارة والصناعة بحكومة الجنوب استيفن ديو داو، والذي قال لـ«البيان»:« إنهم يستقبلون سلعاً من شرق افريقيا، لكنها ليست زراعية بشكل رئيسي، وإنما مصنوعة». وأوضح أن هذه الولايات تعتمد عليها لأن الجنوب لا يملك مصانع كبيرة، ولكن هنالك صناعات خفيفة مثل المشروبات الغازية والمياه الصحية، كما لا توجد مصانع تنتج الزيوت مثلاً والملابس وخلافها من الصناعات الزراعية، ولذلك تأتي هذه السلع الصناعية اما (من شمال السودان وهذا نادر ) او دول الجوار. وأوضح أن كل المنتجات الزراعية مثل الذرة والذرة الشامية وخلافها يتم استيرادها، بالاضافة الى الحيوانية، وأشار إلى أنه في ولاية الاستوائية الوسطى مثلا يتم استقبال بعضاً من السلع الحيوانية، مثل اللحوم البيضاء لاسباب ربما ليست جوهرية، فلا يوجد اي جزء من الجنوب يمكن ان يستورد اللحوم، ولكن بعض الثقافات المحلية تربي الابقار على اساس ثقافي اجتماعي اكثر من كونه اقتصاديا، وقال إنها بحاجة الى «ثقافة جديدة للمجتمع».
ورُغم غياب النمو العمراني، بسبب الحروب الكثيرة التي أقعدت بالجنوب عن التنمية، إلا أن جوبا تنفرد بأنها واحدةٌ من أغلى مدن العالم، إذ تفتخر المدينة بأن شخصاً إذا أراد الاقامةَ في أحد فنادقها التي توصف بالفاخرة فله ان يتخير بين ألفين أو سبعة آلاف و500 دولار في الشهر، وهو أمر من غير الممكن أن يتماشى والفقر في المدينة.