المشهد الأول: «ليه؟ في شي؟»، تسأل سارة التلميذة العائدة من مدرستها، فيضحك منها صديقها: «لا، ما في شي! ما في حكومة، والشباب (في إشارة إلى مسلحي حزب الله) منتشرين بكل مكان».. يستفزّها ضحكه، فتقول: «بعرِف.. بس مش مهم، كل مرة بتستقيل، وكل مرة بينتشروا».

المشهد الثاني: تنتقل أم حسن، الإمرأة السبعينية، مباشرة إلى نشرات الأخبار، كي تسأل عن عبارة وحيدة: «عم يقولوا (يقولون) مهما حصل ومهما طال الوقت لن يمشي القرار الظنّي».. تقولها كأنها ترغب بالاطمئنان إلى أن مصير القرار هو في النهاية إلى زوال، ثم تتحدث عن «الشباب» الذين انتشروا، يوم الثلاثاء الفائت، عند الطريق المقابل لمنزلها، وتقول: «لم يصوّرهم أحد»، فتردّ جارتها: «بلى، أنا شاهدت صورة لهم على تلفزيون الجديد، كانوا في عمر الشباب، ويرتدون اللون الأسود».. فتردف أم حسن: «ونحن حضرنا نشرة أخبار الجديد، ولم نشاهدهم».

وبين المشهدين، هم «الشباب المنتشرون»، من دون أسلحة، إذ تحوّلوا إلى سيرة أشبه بلعبة التخفّي لدى اللبنانيين، ومنهم سارة وأم حسن.. فهم لم يروهم، لكنهم سمعوا عنهم.. بينما كثيرون استفاقوا على هول صدمة اختبار التجمّعات المنظّمة لقوى المعارضة في شوارع العاصمة.

ويسيطر القلق على اللبنانيين ماجعل التلفزيون ملاذهم، كما بات السؤال الذي يوحدهم: «شو بّدو يصير؟».

وهكذا، وعلى وقع الشائعات المتنقّلة حول تحرّكات في الشارع، وفيما هم يبحثون عما يطمئنهم إلى غدهم، ويتابعون لحظة بلحظة أخبار المساعي السورية- السعودية لحلّ أزمة بلدهم، ازدادت أسئلة أغلبيتهم: متى تنتهي هذه الحرب الباردة؟ عِلْقت؟ هجموا؟ صرّحوا؟.. ويخفّ منسوب التفاؤل كلما ظهر شريط خبر عاجل جديد فوق شاشات التلفزة، أو نُقِل عبر خدمات الخبر السريع إلى الهواتف المحمولة للمواطنين، والذين باتوا يمضون أيامهم على وقع تصريحات متتالية، تجعلهم يردّدون مصطلحات مثل: «الوضع عاطل»، و«خِرْبت»، و«أكلناها».

ويوم أمس، عاد أبناء العاصمة نسبياً إلى حياتهم الطبيعية، وإن كانوا يختلفون الآن على تعريف الحياة الطبيعية، التي لا تعني بالنسبة إلى سهى، أكثر من «العودة إلى البيت سالمين»، مضيفة: «لا يهمّني الآن عودة الحياة الطبيعية إلى السياسة في لبنان، ولا عودة العلاقات بين الرؤساء إلى مجراها، ولا الدعم السعودي للطائفة السنية، أنا أريد أن أطمئن إلى أن جنون الشارع والسياسيين لن يأخذ أولادي مني يوماً».

وأولويات سهى مشتركة لدى كثيرين من أبناء العاصمة، وتتردّد على ألسنة معظم أبنائها، إنما السياسة تعود لتحضر بقوة، لا سيما في اهتمامات مناصري تيار المستقبل.. «بتنا نعرف من قتل رئيسنا (الرئيس رفيق الحريري).. لا نملك الآن إلا الانتظار»، يقول حسام، فيما تؤكد شيرين أنها تنتظر اللاشيء، لأن «كل شيء بات واضحاً. هناك طرف أثبت وجهة نظره بقوة» في إشارة الى حزب الله. وتضيف: «وضعونا أمام خيارين، ورسموا لنا خطّة محكمة: السلم أو العدالة، أما خيار الاثنين معاً، فلن يرضي أحداً».

والخطة التي تتحدث عنها شيرين، يفصّلها محمد قائلاً: «كل فريق الثامن من آذار جُيّش لتنفيذها، وانطلقت بالهجوم لتشويه سمعة المحكمة الدولية من كل الأطراف.. وماذا فعل فريق ‬14 آذار بالمقابل؟ لا شيء، لم يبذل المجهود اللازم ليُسكتها، بالقرائن»، مضيفاً إن «توجيه السلاح إلى رؤوسنا، وتحديداً إلى رأس رئيس الحكومة سعد الحريري، لن يجعلنا نتخلّى عن المحكمة، لكن هذا لا يعني أننا لسنا خائفين، فرسالة أشباح الفجر وصلت: لا محرّمات لدينا: نخرق الطائف، والدوحة، والتسوية السورية السعودية، وبالقوة نضعكم أمام خيارين: إما رفض الحقيقة، أو نخرب السلم الأهلي، وطبعاً نعود لنحمّلكم مسؤولية هذا الخراب».

تكهرب مقابل هدوء

والشارع «المكهرب»، في بعض شوارع بيروت، يقابله هدوء نسبي في الضاحية الجنوبية للعاصمة. وبين زحمة الكثافة السكانية هنا، يدخل الحديث السياسي أيضاً، إنما ليس بالتوتر الموجود في المناطق الأخرى.. «الاتكال على الله، نؤمن بالعقلاء، وإن كانوا قلّة، ونؤمن أن الحق سينتصر وسيظهر أن ملف شهود الزور ورقة يجب أن تُفضَح والمحكمة بحدّ ذاتها لعبة صهيونية»، يقول الحاج أبومازن، مضيفاً أنه «لا بدّ أن ينفجر الوضع القائم بشكل يؤدّي إلى تغيير ما، نتمنى أن يكون إلى الأفضل».

وكما في الأحياء، يخيّم شبح أحداث ‬7 أيّار على سيارات الأجرة التي تظفر بالهاربين إلى بيوتهم باكراً، وكأنه رجل حقيقي، يشارك الركاب المقاعد وينتقل معهم بين المناطق.. يتحدّثون عنه كأنه يسمعهم وهو قادر على إيذائهم إذا أراد.. تسأل راكبة الشاب الجالس بقربها: «قولك في (سيكون) سِفن ماي جديد (‬7 أيّار بالإنكليزية)؟»، فيمازحها الشاب قائلاً: «إفري ثينغ إيز بوسيبل (كل شيء ممكن)». ويضيف مستطيباً تخويفها مجدّداً: «ذير ويل بي بلود (سيكون هناك دماء)»، ثم يضحك!