ترتفع أصوات المتظاهرين في تونس مطالبة بحل «التجمع الدستوري الديمقراطي» الحاكم في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، لتجد هذه المرة مساندة قوية من الاتحاد العام التونسي للشغل الذي طالب أعضاء من مكتبه التنفيذي بحل التجمع واستبعاد رموزه قبل أن يعلن قبل أيام الوزيران المحسوبان عليه انسحابهما من الحكومة الائتلافية التي أعلن عن تشكيلها رئيس الوزراء محمد الغنوشي.
وكان التجمع الدستوري الديمقراطي يتحكم في مفاصل الحكم خلال عهد بن علي، ويسيطر على الحياة الإعلامية والسياسية إضافة إلى الحركة الاقتصادية في تونس، حيث يسيطر رموزه على اتحاد الصناعة والتجارة واتحاد الفلاحين وعلى المؤسسات الاجتماعية مثل اتحاد المرأة واتحاد التربية والأسرة، والشبيبة المدرسية، وعلى اتحاد الكتاب التونسيين، وكانت له شعب مهنية في كل المؤسسات الاقتصادية والإدارات الحكومية في مواجهة النقابات التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل.
وتظهر الخريطة التونسية للأحزاب تشكيلها كما يلي:
في مارس 1920 تأسس أول حزب وطني تونسي تحت اسم الحزب الحر الدستوري بقيادة الشيخ عبدالعزيز الثعالبي (1876 ــ 1944) الذي كانت له توجهات عربية ــ إسلامية، وفي العام 1934، وفي غياب الثعالبي الذي كان غادر تونس لأعوام فراراً من الضغط الاستعماري الفرنسي، اجتمع عدد من الزعماء الشبان بزعامة الحبيب بورقيبة (1903 ــ 2000) لتجديد الحزب الدستوري القديم وإعادة تأسيسه على جملة أهداف وطنية استطاعوا من خلالها قيادة حقبة النضال من أجل الاستقلال، ومع استقلال البلاد في العام 1956 هيمن الحزب الحر الدستوري على الحياة السياسية وبدأ في إقصاء بقية الأحزاب كالحزب الشيوعي التونسي.
ومنذ يوليو 1957 انقلب الحزب على النظام الملكي وأصبح الحاكم في كل مفاصل الحياة، ومع تبني النظام البورقيبي للخط الاشتراكي، غيّر الحزب الحاكم اسمه إلى الحزب الاشتراكي الدستوري في أكتوبر 1946، غير أن مرحلة عقد السبعينات من القرن الماضي شهدت انتفاضات اجتماعية واستقالات من الحزب، أدت إلى بروز تيارات سياسية جديدة مثل «حركة الديمقراطيين الاشتراكيين» بقيادة أحمد المستيري وعودة الحزب الشيوعي بقيادة محمد حرمل.
وبعد تحوّل السابع من نوفمبر 1987 الذي أطاح بالرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة بعد 30 عاماً من الحكم، وتولي زين العابدين بن علي رئاسة البلاد، تعرض الدستوريون البورقيبيون إلى الإقصاء، وحاول بن علي تغيير وجهة الحزب الحاكم ليصبح في 27 فبراير 1988 التجمع الدستوري الديمقراطي الذي فتح أبوابه لعدد من التيارات الفكرية المختلفة مع الفكر والممارسة «البورقيبيون» فانضم إليه يساريون وبعثيون ومستقلون، ثم سرعان ما بدأ «التجمع» في القطيعة مع قواعده بعد أن أصبح غطاءً للفساد.
انهيار «التجمع»
ومع سقوط نظام بن علي انهار «التجمع» في ثوبه الرسمي، وغاب عن الساحة أمينه العام محمد الغرياني، ونادت أحزاب المعارضة التي همشها العهد السابق بحلّه، نظراً لتسلطه. ولكن حزب «التجمع» بقي حاضراً في المشهد الجديد من خلال بعض الرموز، فمحمد الغنوشي رئيس الوزراء يشغل منصب نائب رئيسه، ورئيس الدولة الوقتي فؤاد المبزع ووزير الخارجية كمال مرجان عضوان في لجنته المركزية.
وإذا كان التجمع يعمل حالياً على عقد اجتماع لديوانه السياسي لبحث الموقف الحالي وإصدار قراراته المصيرية للخروج من النفق، فإن قواعده الشعبية ترفض التخلي عنه وترى أن المطلوب هو تصحيح مساره.
أما أحزاب المعارضة الراديكالية وخاصة غير المعترف بها مثل حركة النهضة والحزب الشيوعي العمالي، فتطالب بحل الحزب واستبعاده من الحياة السياسية وأية حكومة ائتلافية، وهو ما يعتقد بعض الملاحظين أنه قد يفتح في حال حصوله أبواب تونس على عواصف قد تهز المجتمع من الداخل، حيث إن حل التجمع يعني دخول التونسيين في دوامة الثأر والانتقام في المناطق الداخلية والجهات التي يسيطر عليها التجمعيون، وستصيب مؤسسات الدولة بالإرباك أو الفراغ، نظراً لأن أغلب كوادرها العامة من عناصر حزب بن علي.
صانعو الثورة
من الذي صنع ثورة التونسيين على بن علي ونظامه؟ هذا السؤال قد يبدو غريباً في ظرف يكاد يكون فيه إجماع مطلق على أن الشعب هو الذي قاد الثورة بدون تدخل حزبي من أي طرف سياسي في البلاد.
ولكن الحقيقة الميدانية تؤكد أن أربعة أطراف هي التي قادت الثورة من خلال رموزها داخل الاتحاد العام التونسي الشغل الجامع لكل الحساسيات السياسية المعترف وغير المعترف بها.
؟ الناصريون: وهم قوميون عرب، تقول مصادرهم إنهم قدموا 26 شخصاً خلال الانتفاضة، وأن أول شاب قتلته الشرطة في مدينة منزل بوزيان ينتمي إلى تنظيمهم.
؟ حزب العمال الشيوعي التونسي: بقيادة حمة الصمامي، وهو موجود في الجامعة وبعض النقابات وله أتباع في المناطق الداخلية خاصة.
؟ـ قيادات نقابية من الحزب الديمقراطي التقدمي بقيادة أحمد نجيب الشابي.
ــــ الوطنيون التقدميون: وهم بقايا تنظيم يعتمد فكر ماوتسي تونغ، وقد اندثر التنظيم وبقي بعض أتباعه ممثلين في شخص القيادي بالاتحاد العام التونسي للشغل أحمد الكحلاوي الرئيس السابق لنقابة التعليم الثانوي، والذي عمل منسقاً عاماً للهيئة الوطنية لرفع الحصار عن العراق، ثم رئيساً للهيئة الوطنية لدعم المقاومة العربية في العراق وفلسطين. ومع اندلاع شرارة الانتفاضة بدأت هذه التنظيمات في تحريك خلاياها النائمة لتكون في الصفوف الأولى للجماهير الغاضبة، وهو ما يفسره هيمنة رموزها على المشهد إعلامياً لا بصفاتهم السياسية وإنما النقابية بالدرجة الأولى.
تحرك إسلامي
في أواخر الستينات من القرن الماضي، بدأت تتبلور حركة إسلامية في تونس، أقامت أول لقاء تنظيمي لها بصفة سرية في أبريل 1972، وقد عمل الحزب الحاكم آنذاك على دعم الاتجاهات الإسلامية في الجامعة لمحاصرة السيطرة الشيوعية في الجامعات.
من أبرز مؤسسي النهضة أستاذ الفلسفة راشد الغنوشي، الذي بدأ حياته الفكرية قومياً عربياً، والمحامي عبد الفتاح مورو ذو الكاريزما القيادية، ثم انضم إليها عدد من الناشطين مثل صالح كركر والحبيب المكني وعلي العريض، ليقتصر نشاط الجماعة في البداية على الجانب الفكري من خلال عقد حلقات في المساجد والانخراط في جمعيات الحفاظ على القرآن الكريم، وفي العام 1974 حصلت الحركة الإسلامية على ترخيص حكومي لإصدار مجلة «المعرفة» لتكون منبرها الفكري، ثم في أغسطس 1979 انتظم وبشكل سري، أول مؤتمر تأسيسي لما سمّي آنذاك بحركة الاتجاه الإسلامي، تم خلاله المصادقة الأساسية التي انبثقت عليه هيكلة التنظيم.
تلاه مؤتمر ثان بمدينة سوسة يوم 9 - 10 أبريل 1981، في ذات الفترة التي عقد فيها الحزب الاشتراكي الدستوري مؤتمره الاستثنائي والذي شهد لأول مرة إعلان الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة عن عدم ممانعته في وجود أحزاب أخرى تعمل إلى جانب الحزب الحاكم.
وفي يوم 6 يونيو 1981 عقد الغنوشي وعبد الفتاح مورو مؤتمراً أعلنا فيه عن تقدمهما لوزارة الداخلية بطلب ترخيص للعمل السياسي علناً، فكانت النتيجة أن قام النظام بعد شهر واحد بإلقاء القبض على قيادات الحركة وتقديمهم للمحاكمة، حيث حكم على راشد الغنوشي بعشر سنوات سجناً قبل أن يتدخل الوزير الأول آنذاك محمد مزالي للإفراج عنه في صائفة 1984 بعد إطلاق سراح مورو في العام 1983.
وقد بدأت مواجهات فعلية بين النظام والحركة الإسلامية في أواسط الثمانينات عرفت أوجها في العام 1987 عندما ألقي القبض على الغنوشي وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، واتهمت الحكومة أنصار الحركة بالتورط في تفجيرات طالت أربعة فنادق سياحية في مناطق الساحل. ومع تولي بن علي السلطة رحبت الحركة بالتحول خصوصاً بعد أن أفرج النظام الجديد عن سجنائها ودعاهم للمشاركة في الإمضاء على وثيقة الميثاق الوطني ومنحهم ترخيصاً لإصدار صحيفة «الفجر» فغيرت حركة الاتجاه الإسلامي اسمها ليصبح حركة «النهضة» وطالبت بترخيص للعمل العلني قوبل بالرفض.
وبعد مغادرة راشد الغنوشي البلاد إلى الجزائر في 28/5/1984 تولى الصادق شودو رئاسة المكتب السياسي، وفي مايو 1991 أعلنت حكومة بن علي عن اكتشاف «مؤامرة» لقلب النظام تورط فيها الإسلاميون لتبدأ مرحلة الملاحقة وإيقاف أكثر من 8 آلاف عنصر من مؤيدي وناشطي «النهضة».
كان بن علي يعمل على ضرب الحركة الإسلامية مستعيناً ببعض رموز اليسار وقد سعى إلى «تجفيف الينابيع» ومحاربة ظواهر التدين من خطاب وحجاب وفكر وممارسة شعائرية، فنجح جزئياً في محاصرة قواعد الحركة الإسلامية وإرباكها حتى إن «النهضة» فقدت الكثير من حضورها في الساحة التونسية.
أحزاب الموالاة تائهة
عمل النظام السابق على كسب الأحزاب المعترف بها عبر انقلابات في داخل قياداتها، وإطلاق أحزاب ليست ذات أي حضور فعلي في الساحة السياسية، مثل حزب الخضر بزعامة المنجي الخماسي، والحزب الاجتماعي التحرري الذي أسسه منير الباجي قبل أن ينقلب عليه تلميذه المنذر ثابت، والحزب الديمقراطي الوحدوي الذي أراد له بن علي أن يكون ملتقى للتيارات القومية في عهد مؤسسه عبدالرحمن التليلي ثم بعد أن آلت زعامته للمحامي أحمد الاينوبلي. وانضمت إلى صفوف الموالاة حركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي أسسها أحمد المستيري في العام 1978 بعد انسلاخه عن الحزب الحاكم، وجعل منها زعيمها السابق محمد مواعدة سنداً وفياً لخيارات بن علي، وبعد استقالته، سار على نهجه إسماعيل بولحية. الزعيم الحالي، أما حزب الوحدة الشعبية الذي أسسه محمد بن الحاج عمر المنسلخ بدوره من الحزب الدستوري، فقد كان هو الآخر وبقي إلى حدود 14 يناير 2011 من أشد الموالين لنظام بن علي، وكان زعيمه محمد بوشيحة أحد المقربين من أسرة الطرابلسي.
ومن خلال تغييب هذه الأحزاب عن حكومة الوحدة الوطنية التي أطلقها محمد الغنوشي الاثنين الماضي، يتأكد فقدانها لأي تأثير على الساحة السياسية، وللقاعدة الجماهيرية، وهو نفس ما تعاني منه أحزاب معترف بها، حاولت أن تحافظ على استقلاليتها عن نظام بن علي: الاتحاد الديمقراطي الوحدوي بقيادة نجيب الشابي، التكتل من أجل العمل والحريات بقيادة مصطفى بن جعفر وحزب التجديد «الشيوعي سابقاً» بقيادة أحمد إبراهيم.
