سعت القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية الثانية التي التأمت في مدينة شرم الشيخ المصرية، وترأس وفد الإمارات فيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله إلى إيجاد حلول إستراتيجية لتحدي التنمية، في ظل هيمنة «النموذج التونسي» على أجوائها.

وكان بارزاً إعطاء الدول العربية وعودا بدفع نحو ‬1,4 مليار دولار لإنشاء صندوق للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في الدول العربية الأقل نمواً كان الأمل أن يبلغ رأسماله ملياري دولار.. فيما انتهت القمة بإعطاء «الأمن الغذائي» أولوية الأولويات.

ودعا أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، في كلمة خلال الافتتاح بصفته رئيساً للقمة الفائتة، إلى الوحدة الوطنية لحل الأزمة التونسية.. بينما غابت التطورات التونسية عن كلمة الرئيس المصري حسني مبارك الذي ألقى كلمة في بداية القمة ركز فيها على قضايا التنمية العربية الشاملة وتعزيز العمل العربي المشترك..

في وقت بحث الزعماء العرب في القمة الاقتصادية التي دامت نحو خمس ساعات تنفيذ برامج التنمية وتعزيز التجارة البينية والتكامل الاقتصادي عقب التطورات السياسية الأخيرة التي أحدثت حالة من عدم الاستقرار في المنطقة. واستعرض القادة سبل تفعيل العمل العربي المشترك في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، حيث استعرضت القمة حجم ونسب ما تم انجازه في قرارات القمة الأولى التي احتضنتها الكويت العام قبل الماضي، وأهم المعوقات التي تعترض تنفيذها واتخاذ القرارات المناسبة لتسريع وتيرة الانجاز.

وبحثت القمة البرنامج المتكامل لدعم التشغيل والحد من البطالة وتنفيذ الأهداف التنموية للألفية وتطوير التعليم في الوطن العربي وتحسين مستوى الرعاية الصحية ودور القطاع الخاص في دعم العمل العربي المشترك. كما بحثت في التسريع بالدخول في الاتحاد الجمركي والربط البحري بين الموانئ العربية، والربط بين شبكات الانترنت العربية.

 

الأولوية للأمن الغذائي

وفي الختام، أقر القادة إعلاناً أكدوا فيه الالتزام الكامل بالعمل على تحقيق الاستراتيجيات التنموية في العالم العربي.

وجدد القادة، في البيان التزامهم الكامل بالاستراتيجيات التنموية والفكر الاقتصادي المتطور، الذي تم إقراره في قمة الكويت ‬2009»، وأكدوا إصرارهم «على المضي قدما في تنمية مجتمعاتنا العربية بشريا، تكنولوجيا، اقتصاديا واجتماعيا، وتطوير هياكل عملنا العربي المشترك في إطار الجامعة العربية على نحو يضمن المستقبل الأفضل لشعوبنا وأجيالنا القادمة».

وأشار البيان إلى أن التفكير في عقد مؤتمرات قمة عربية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية كان الهدف منه مواجهة التحديات التنموية التي شددوا على أنها «لا تقل في أهميتها عن مواجهة التحديات السياسية القائمة وكلها تؤثر في حاضر ومستقبل امتنا العربية وأمنها»، مؤكدين أن «الأمن الغذائي يمثل أولوية قصوى للدول العربية وسنتعامل مع هذا الموضوع بفكر جديد ورؤية هادفة تضمن تحقيقه لمجتمعاتنا العربية».

وفي ما يتعلق بإقامة الاتحاد الجمركي العربي، أوضح القادة أنهم استعرضوا «جهود الانتهاء من إعداد القانون الجمركي الموحد و العمل الجاري لاستكمال توحيد جداول التعريفة الجمركية للدول العربية قبل نهاية ‬2102 ومن ثم خطوات الاتفاق عليها تمهيدا للإعلان عن الاتحاد الجمركي العربي في العام ‬2015 وانتهاء بتحقيق السوق العربية المشتركة في العام ‬2020».

وأشار البيان إلى أن المجتمعين تطرقوا إلى تفعيل مبادرة البنك الدولي للعالم العربي والتي تستند إلى أسس رئيسية منها تخصيص صندوق لمشروعات البنية الأساسية بما في ذلك الطرق البرية والنقل البحري والربط الكهربائي والطاقة المتجددة و«خلق فرص عمل عن طريق دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة وكذلك الاستثمار في التنمية البشرية وربط مخرجات التعليم بسوق العمل».

وقرر الملوك والزعماء العرب، عقد قمتهم المقبلة في ‬19 يناير‬2013 في السعودية لمتابعة ما تم انجازه من مقررات قمتي الكويت وشرم الشيخ الاقتصاديتين.

 

رؤية اقتصادية موحدة

وبينما فرضت الأوضاع السياسية الساخنة نفسها على القمة خاصة الأوضاع في تونس بعد تخلي الرئيس زين العابدين بن علي عن الحكم والفرار على ضوء قلاقل شرارتها اقتصادية معيشية.. دعا الرئيس المصري رئيس القمة حسني مبارك خلال الجلسة القادة إلى بلورة رؤية عربية مشتركة لسبل التعامل مع الأزمات العالمية الاقتصادية، وسبل التوقي منها، والتخفيف من تداعياتها.

وقال مبارك إن القادة العرب يلتقون بعد عامين من القمة الأولى دفع فيهما العرب ثمنا باهظا لأزمة مالية واقتصادية وأزمة في الوقود وأزمة الغذاء، داعيا القادة العرب خلال هذه القمة إلى بلورة رؤية عربية مشتركة لسبل التعامل مع الأزمات العالمية الاقتصادية، وسبل التوقي منها، والتخفيف من تداعياتها.

وشدد على أن «التنمية العربية الشاملة آتية لا محالة مهما كانت الصعاب والتحديات»، وأكد أهمية تعزيز العمل وركّز مبارك على أن التشغيل بقوله إن إتاحة «فرص العمل ستظل واحدة من أهم ما نواجهه من تحديات وما نتطلع لتحقيقه من أهداف وأولويات، كما ستبقى جزءا لا يتجزأ من جهودنا لتطوير التعليم والبحث العلمي على طريق النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية الشاملة، وهدفا رئيسيا لسعينا لتعزيز الاستثمارات فيما بيننا».

وقال إن القادة والرؤساء العرب على «ثقة تامة» في ما يمتلكه أكثر من ‬300 مليون عربي من طاقات وإمكانات وموارد وما يمتلكه الجميع سواء كان شعوب أو قادة أو زعماء من الإرادة والعزم والتصميم.

ونوه بأن الشباب العربي هم أغلى ما تملكه الدول العربية من ثروات وموارد وأنهم يمثلون أكثر من ‬25 في المائة منم السكان، وأنه بفكرهم وسواعدهم يصنع مستقبل دول الأمة العربية، مشددا على أن قضية التشغيل وإتاحة فرص العمل هي واحدة من أهم ما توجهه المنطقة العربية من تحديات، كما أشار إلى أن تطوير التعليم والبحث العلمي باعتباره طريقا لتحقيق النمو الاقتصادي، باعتبارها هدفا رئيسيا للسعي العربي لتعزيز الاستثمارات.

 

تركيز على الاتفاق

من جانبه، أكد أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح على أهمية التركيز على نقاط الاتفاق والابتعاد عن المسائل الخلافية لدعم العمل العربي المشترك، خاصة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.

وطالب أمير الكويت بإجراء عملية مراجعة شاملة للمشروعات الاقتصادية ذات الأبعاد التنموية والاجتماعية الهادفة إلى تعزيز التكامل الاقتصادي العربي التي أقرتها القمة الاقتصادية الأولى بالكويت لمباركة ما تم انجازه، والتعرف على التحديات والصعوبات التي واجهت البعض منها والبحث في الإجراءات التي تكفل تذليل هذه الصعوبات لضمان وضع هذه المشروعات موضع التنفيذ.

وأكد ضرورة مواصلة الجهود والعمل على تقويم الخلل وحل المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها البلدان العربية والتركيز في الاجتماعات المقبلة على تجسيد هذه الرؤية والتي تعد علاجا ناجعا لكثير من المشاكل والاحتقانات التي يعاني منها العالم العربي اليوم ودفعا للعمل الاقتصادي والاجتماعي العربي بما يساهم في التعامل الأمثل مع المشاكل الأساسية التي تعاني منها الأمة العربية.

 

الابتعاد عن الخلاف

وقال الشيخ صباح إن فلسفة العمل في المؤتمرات الاقتصادية التي جاءت بمبادرة مصرية كويتية مشتركة تقوم على الابتعاد عن النقاط الخلافية والتركيز على مساحات الاتفاق لدعم العمل العربي المشترك اقتصاديا واجتماعياً. وأضاف أن التحديات الاقتصادية التي يواجهها العالم العربي وتأثيراتها السلبية على الدول العربية وعلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية تؤكد ضرورة التعاون بين الأقطار العربية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية لتحقيق طفرة تنموية عربية.

وأشار إلى أن القمة الأولى سعت إلى وضع الأساسيات اللازمة لتحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول العربية، كما سعت إلى توفير موارد للقطاع الخاص لتشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة عبر الصندوق الذي أنشئ لهذا الغرض برأسمال ملياري دولار.

وأشاد بمساهمات الدول العربية في الصندوق مما كان له أكبر الأثر في إطلاق العمل بالصندوق وخروجه للواقع، وتابع قائلا إن «هذا يعد دليلا على إرادتنا القوية على دعم العمل العربي المشترك، وتمكين القطاع الخاص من القيام بالدور المطلوب في العمل التنموي وتوفير فرص عمل للشباب العربي وتحسين مستويات المعيشة للشعوب العربية».

 

موسى: النفس العربية منكسرة

ونبه الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى إلى الالتفات للمشاكل الاقتصادية وغيرها من المشاكل التي أثارت الاضطرابات السياسية في تونس لأنها قضايا تؤثر على كل الدول العربية.

وأكد موسى أن النفس العربية منكسرة بالفقر والبطالة والتراجع العام في المؤشرات الحقيقية للتنمية، معربا عن اعتقاده بأن تحقيق نجاح حقيقي يلمسه المواطن العربي في مستوى معيشته وفي التعامل معه سوف يريح المجتمعات العربية ويرفع من شأن مواطنيها.

وقال موسى إن انعقاد الدورة الثانية للقمة العربية الاقتصادية والاجتماعية والتنموية «يؤكد المنحى الجديد للعمل العربي المشترك الذي أصبح يعطى أولوية موازية لشؤون التنمية، بعد أن شغلت السياسة وحدها دون منافسة مقعد الأولوية في العمل العربي المشترك لعقود طويلة». ولفت في هذا الإطار إلى تقديم الدول العربية وعوداً بدفع نحو ‬1,4 مليار دولار لإنشاء صندوق للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في الدول العربية الأقل نمواً.