تنحى الرئيس التونسي زين العابدين بن علي عن السلطة مساء أمس وغادر بلاده وذلك تحت ضغط احتجاجات الشارع التي تعم تونس منذ أسابيع والتي أودت بحياة العشرات ومنهم 17 الليلة قبل الماضية، ليتسلم رئيس الوزراء التكنوقراطي محمد الغنوشي منصب الرئاسة مؤقتاً وذلك بعيد الإعلان عن فرض حالة الطوارئ وإغلاق المجال الجوي وتنظيم انتخابات مبكرة خلال ستة شهور، وسط جدل قانوني بشأن شرعية تسلم السلطة بحسب المادة 56 من الدستور وليس المادة 57.
وأعلن الغنوشي في بيان ألقاه وأذاعه التلفزيون التونسي مساء أمس محاطا برئيسي مجلس النواب فؤاد المبزع ومجلس المستشارين عبد الله القلال عن تسلمه الحكم «طبقا لاحكام الفصل 56 من الدستور» الذي يتناول «تعذر رئيس الجمهورية القيام بمهامه بصفة وقتية». وقال: «بداية من الآن أتولى ممارسة سلطات الرئيس. وأدعو كافة أبناء تونس وبناتها من مختلف الحساسيات السياسية والفكرية ومن كافة الفئات الى التحلي بالروح الوطنية والوحدة لتمكين بلادنا التي تعز علينا جميعا من تخطي هذه المرحلة الصعبة واستعادة امنها واستقرارها». وأضاف: «وأتعهد خلال فترة تحمل هذه المسؤولية باحترام الدستور والقيام بالاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تم الاعلان عنها بكل دقة وبالتشاور مع كافة الاحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني.. والله ولي التوفيق».
جدل قانوني
وعلى الفور، دخلت النخبة السياسية في تونس في جدال قانوني بشأن دستورية إعلان الغنوشي توليه منصب الرئاسة مؤقتاً بحسب الفصل 56 من الدستور الذي ينص على «تفويض مؤقت» بما يعني أن المادة لا تؤكد رسمياً تنازل بن علي عن السلطة، خاصة ان المادة تلك لا تخول الغنوشي تولي قيادة الجيش أو حل البرلمان وهي من صلب مهام الرئيس. وتساءلت مصادر قانونية عن عدم اللجوء إلى الفصل 57 الذي ينص على تولي المنصب «في حال العجز أو الوفاة».
طوارئ وانتخابات
وكانت وكالة الأنباء التونسية الحكومية نقلت في وقت سابق امس عن الغنوشي قوله في أعقاب اجتماعه مع بن علي إن الاخير أصدر قرارا يقضي بحل الحكومة، وتكليفه، أي الغنوشي، باقتراح تشكيلة حكومة جديدة. وأضاف أن بن علي قرر أيضا إجراء انتخابات تشريعية مبكرة وذلك في غضون ستة أشهر، علماً أن هذه الانتخابات كانت مقررة بعد أربعة أعوام. وبالتزامن، كانت أعلنت السلطات فرض حالة الطوارئ. وذكرت وكالة الأنباء التونسية الرسمية أنه «حفاظا على سلامة الأشخاص والممتلكات من الشغب، تقرر إعلان حالة الطوارئ في كامل تراب الجمهورية». ونص القرار على «منع كل تجمع يفوق ثلاثة أشخاص في الطريق العام وبالساحات العامة ومنع تجول الأشخاص والعربات من الساعة الخامسة مساء إلى السابعة صباحا». ونص القرار أيضا على أنه «يمكن استعمال السلاح من طرف أعوان الأمن أو الجيش الوطني ضد كل شخص مشبوه فيه ولم يمتثل للأمر بالوقوف وحاول الفرار ولم يبق مجال لجبره على الوقوف».
موقف الجيش
واستمر مسلسل الاحتجاجات أمس حيث خرجت تظاهرات حاشدة وسط تونس العاصمة وبقية المدن نادت برحيل بن علي. وفي العاصمة التونسية تواصلت التظاهرات والتجمعات في شارع الحبيب بورقيبة الرئيسي من دون تدخل الشرطة. وبعد ان بدأت بعشرات المتظاهرين ما لبثت التظاهرات ان جمعت المئات ثم آلاف المتظاهرين المحتجين. ولوح ضابط يرتدي زي شرطة مكافحة الشغب بعلامة تأييد لمحتجين يرفعون لافتات مناهضة للحكومة. وقال شاهد من وكالة «رويترز» ان عدداً كبيراً من رجال الشرطة أزالوا الشارات من على ملابسهم. وأكد شهود في عدة محافظات تونسية أن عشرات الآلاف من المواطنين كانوا خرجوا في مسيرات سلمية مماثلة طالبوا خلالها بن علي بالرحيل وبمحاسبة عائلة الطرابلسي التي تنتمي لها ليلى بن علي سيدة تونس الأولى سابقاً. وقال شهود إن منزل عماد الطرابلسي ابن شقيق ليلى الطرابلسي الكائن بضاحية المرسى شمال العاصمة تونس تعرّض للنهب بالكامل من قبل مواطنين غاضبين وأن منزل شقيقها بلحسن الطرابلسي الكائن في منتجع الحمامات جنوب العاصمة أحرق الليلة قبل الماضية. وترددت أنباء قوية في الشارع التونسي عن «هرب» أفراد عائلة الطرابلسي إلى الخارج خوفا من «أعمال انتقامية».
مواجهات وقتلى
من ناحية اخرى قالت مصادر حقوقية إن الصدامات العنيفة التي شهدتها العاصمة تونس وضواحيها الليلة قبل الماضية أسفرت عن سقوط 17 قتيلاً والعشرات من الجرحى. وقالت المصادر ليونايتد برس انترناشونال إن مستشفيات تونس العاصمة، وخاصة منها مستشفى شارل نيكول استقبل جثث العديد من القتلى الذي سقطوا برصاص قوات الأمن. وفي غضون ذلك، أعلنت السلطات التونسية عن تخفيض في أسعار المواد الأساسية منها الخبز والسكر والحليب والطحين.
