اندلعت اضطربات صاخبة ليل اول من امس في عدد من المدن الجزائرية بين مجموعات من الشباب الغاضبين وقوات الأمن، ودارت أعنفها في العاصمة حيث سقط عدد كبير من الجرحى، ما اعاد للاذهان تظاهرات 5 اكتوبر1988 والتي قتل فيها ما لا يقل عن 300 شخص، وجاءت الاحتجاجات بسبب الارتفاع الفاحش المفاجئ لأسعار المواد الغذائية الأساسية منذ بداية العام.
وشهدت أحياء في العاصمة الجزائرية ومناطق أخرى من البلاد كولايتي ووهران وتبسة والبليدة وتيبازة والجلفة، أحداث عنف متزامنة، أسفرت في حصيلة أولية عن سقوط عدد من الجرحى بين المتظاهرين وقوات الأمن، وخسائر طالت المحلات التجارية والسيارات، فضلا عن أعمال سلب هنا وهناك.
فيما اعتقل العشرات ووجهوا إلى مخافر الشرطة للتحقيق. وبادرت جمعية محلية لحماية المستهلك في العاصمة بالنداء لتجمع السكان بغرض التعبير عن غضبهم من الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الغذائية واسعة الاستهلاك، وفي مقدمتها الدقيق والسكر والزيت. وبمجرد بداية طلائع المحتجين باللقاء عند وسط حي باب الواد، هاجمتهم فرقة من قوات مكافحة الشغب لتفريقهم، ولما اقترب المتظاهرون من مقر المديرية العامة للأمن الوطني التي تقع بمدخل الحي، أطلقت الشرطة عيارات نارية تحذيرية، فكانت إيذانا ببداية المواجهات، وانتشر الخبر بأن الشرطة أطلقت النار على المتظاهرين، لتتسع الاحتجاجات الى احياء مجاورة، فزاد عدد المحتجين ليحسب بالمئات، وبدأ تخريب المحلات التجارية.
شرارة الاحتجاجات
ورشق خلالها متظاهرون قوات الشرطة بالحجارة في أحياء بلكور وباب الواد وميدان الشهداء في قلب العاصمة، وفي زرالدة والشراقة بالضاحية الغربية للمدينة، وردت قوات الأمن بإطلاق القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي. وبحسب شهود عيان، فقد جندت أجهزة الأمن قواتها وأغلقت طريقاً رئيساً يربط بين شوارع وأحياء وسط العاصمة. ودخلت فرق مكافحة الشغب في مواجهات عنيفة مع المحتجين الذين كانوا في غضب متوهج، بعد أن منعتهم من الخروج في مسيرة. وامتدت حالة العصيان الى حي «الحمامات» الواقع غربا، فخرج مئات من الشباب فحطموا واجهات المحلات التجارية وأحرقوا العجلات المطاطية وواجهوا الشرطة بالحجارة والقضبان الحديدية والزجاجات.
وتحركت مجموعات من الشباب والاطفال في مختلف انحاء العاصمة، وأعادوا الى الأذهان أحداث اكتوبر 1988 التي حولت المدينة كلها الى ساحة كبيرة لمواجهات اسفرت في حصيلة اولية عن اصابة 28 شخصا بين الجانبين، ما اجبر الشرطة على الانزواء، ودفع بالجيش الى احتلال الشارع. واتسعت الاحتجاجات الى ولاية وهران كبرى محافظات الغرب الجزائري، حيث خرج المئات من الشباب إلى الشوارع في أحياء الحمري وابن سينا ورأس العين، وأغلقوا طرقاً في المدينة، وألقى بعضهم بأكوام من عظام الماشية في الشارع. وقال أحدهم إن ذلك رسالة للحكومة لأنها «لم تترك للشعب إلا العظام».
عائلات محتجة
وفي محافظة تيبازة الواقعة على بعد 70 كيلومترا إلى الغرب من العاصمة، اعتقلت قوات الأمن 32 شخصاً عقب تجدد الاحتجاجات، وتخللتها مواجهات عنيفة داخل تجمعات سكانية في بلديات فوكة والدواودة وفي المدنية الرئيسية بالمحافظة. كما شهدت ولايات البليدة والجلفة اضطرابات مماثلة اسفرت ايضا عن اصابة 10 اشخاص. وقد امتدت الى عدد من المدن والبلدات الاخرى، وزادت تأججا وانخرطت فيها عائلات بأكملها خرجت للتنديد بالظلم الاجتماعي.
وطاردت الشرطة المحتجين ومعظمهم من الاطفال والمراهقين والشباب عبر الازقة، واعتقلت بعضهم، وتعرض أفرادها للرشق من شرفات وسطوح العمارات. وهذه هي ثاني مرة منذ اكتوبر 1988 تندلع فيها اضطرابات شعبية في وقت واحد بالجزائر، مختلفة بذلك عن المظاهرات المتفرقة وغير المتزامنة التي تشهدها مدن الجزائر، رغم القيود الأمنية التي تفرضها الحكومة بداعي مكافحة الإرهاب.
صمت حكومي
وتجاهلت قنوات التلفزيون الحكومي في نشراتها هذه الأحداث، وأذاعت تقارير لمشاريع سكنية وبنى تحتية تم إنجازها أو تقترب الحكومة من تسليمها.
كما لم يصدر حتى الآن أي بيان رسمي بشأن هذه الاحداث.
وتصاعدت حدة الغضب ضد حكومة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في الفترة الأخيرة على خلفية زيادات يفوق بعضها نسبة 150٪ في أسعار سلع رئيسية مثل الزيت والسكر والدقيق.
واستطاعت الحكومة الجزائرية طيلة عقد التسعينات أن تسكت مواقع الغضب الشعبي رافعة سيف الإجراءات الأمنية التي رافقت حربها ضد الجماعات الإسلامية، إلا أن قطاعاً واسعاً من الجزائريين بات يعبر عن غضبه دون خشية منذ أن انحسرت أعمال العنف السياسي.
