اصبح محمد مرسي، مرشح حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، أول رئيس مدني يحكم مصر منذ تأسيس الجمهورية بعد فوزه بفارق طفيف من الاصوات على منافسه العسكري السابق احمد شفيق.
لا شك أن فوز مرسي بالرئاسة هو خطوة تاريخية مهمة الى الأمام لتحول مصر من دولة طالما هيمن عليها العسكريون الى دولة ديمقراطية حقيقية. مع ذلك، هل تستطيع مصر ان تقصر وتتخلص من مخاض المرحلة الانتقالية من "الاستبداد" الى "الديمقراطية"،هذا سؤال يقلق الجميع. وقد خرجت وسائل اعلام عالمية بمقالات وبيانات وتحليلات وفيرة إزاء عدم وضوح التوجه السياسي المصري.
ان الحقيقة الواضحة وضوح الشمس هى ان الغرب من المستحيل أن يحدد توجه هذه الجولة من الثورات في مصر والشرق الأوسط . وتدل عملية تطور الأوضاع في الشرق الأوسط حتى الآن على أن الغرب لديه قدرة على توجيه أو حتى إطلاق "الثورات الشعبية"، ولكنه لا يستطيع السيطرة على اتجاه التحول السياسي. فالتربة العربية لا تنبت فيها إلا البذور التي تتفق مع العناصر الثقافية والسياسية ضاربة الجذور.
ومهما اصبحت جماعة الإخوان المسلمين حقا أكثر علمانية، فإن انتخاب مرسي للرئاسة المصرية يعني فى الاساس مخاطر عالية بالنسبة للغرب. ولا أحد يجرؤ على ان يستنتج مستقبل مصر والعالم العربي، ولا سيما اسرائيل المتوجسة.
لم يكن الشرق الأوسط مثل أوروبا والولايات المتحدة فى يوم من الايام، فالقيم والتقاليد والعادات فى الشرق الاوسط مختلفة تماما عن القيم والتقاليد والعادات فى الدول الغربية . وقد انفقت واشنطن اموالا لا تحصى في العراق فى سبيل تغيير خريطة الشرق الاوسط . وفقدت أرواح آلاف كثر من جنودها ، ولكن النتيجة ان العراق لا يزال "عربيا" جدا. رغم اموال وارواح الأمريكيين التى فقدت ولا تزال تفقد.
ويبدو ان الحضارة العربية قد تركت لوحة استراتيجية دائمة على كوكب الأرض، لا يمكن أن تصبح "أمريكية"، ناهيك عن "الروسية" أو "الصينية". ولن يكون العالم العربي ملحقا بأي حضارة اخرى.
ان العالم العربي يشق طريقه الى الديمقراطية، وفي نفس الوقت يفرج عن خصائصه الثقافية والسياسية. فازت حركة حماس في الانتخابات الديمقراطية الفلسطينية في وقت سابق، ومن المؤكد ان تلهم نتيجة الانتخابات العامة المصرية جماعات الاخوان المسلمين في الدول الأخرى. ويبدو أن أول شيء على العرب أن يفعلوه هو "العثور على النفس" بعد امتلاك حق الاختيار.
ان الفرص المتاحة فى عهد ما بعد الثورات في الشرق الأوسط ليست حكرا على الغرب بأي حال من الأحوال . ويجب على الصين ألا تعتقد ان تطور الأحداث هناك يعني جفاء العرب من الصين .فالوضع الحقيقي هو ان هيكل السلطات في الشرق الأوسط فى طور اعادة الكتابة، وسيبدأ العالم العربي في اعادة النظر في السياسة الدبلوماسية، وستكون الصعوبات واحدة على كل القوى الخارجية.
ويعتمد مستقبل العلاقات بين الصين والدول العربية على عاملين مهمين:الاول قوة الصين، والثاني ترابط المصالح الوطنية بين الصين والدول العربية والصداقة بين الشعبين الصيني والعربي.وتتمتع الصين بقوة اكبر فى منافسة الغرب فى ضوء هذين العاملين.
تركت الولايات المتحدة الوضع في مصر يتدفق عندما فقدت السيطرة عليه. ومهما كانت هذه الحالة من الثقة بالنفس أو العجز، فانها تستحق تفكير الدائرة الاستراتيجية الصينية . كيف تنقل الصين نفسها من مكان سلبي الى مكان اكثر ايجابية بنشاط في مواجهة النظام العربي الجديد. هذا الامر ليس في حاجة الى قوة فحسب، بل حكمة أيضا.
