أكدت الرئاسات التونسية الثلاث أن الجيش وجهاز الأمن سيتصديان للتجاوزات والعنف «مهما كان المصدر وبما يلزم من الصرامة في إطار احترام القانون والالتزام بقيم الجمهورية».. في حين توفي شاب في الثانية والعشرين متأثّراً بإصابته برصاصة في رأسه خلال المواجهات التي تفجّرت الاثنين واستعرت الثلاثاء بين مجموعات سلفية وقوات الامن في سوسة.
ودعا بيان الرئاسات الثلاث، الذي صدر بعد اجتماع استثنائي طارئ ليل الثلاثاء ضمّ: رئيس الدولة المنصف المرزوقي ورئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر ورئيس الحكومة حمادي الجبالي، التوانسة إلى «تفويت الفرصة عن المتطرفين والمستفزين والانتصار على أشباح النظام القديم» بالوحدة والتآزر. و«الثقة في وحدة القيادة السياسية».
ودانت الرئاسات الثلاث في البيان من أسمتهم بـ «مجموعات الغلو» و«تهديدها غير المقبول للحريات وسماحها لنفسها بتعويض مؤسسات الدولة ومحاولة الهيمنة على بيوت الله»، وشدّد البيان على إدانة «كل مسّ بمقدسات شعبنا وأمتنا ونعتبر أنها لا تدخل في حرية الرأي والتعبير، وأن الهدف منها استفزاز لإثارة الفتنة واستغلال لحساسية الوضع وقابليته للالتهاب».
وأوضح البيان الثلاثي أن «بعض نواحي البلاد تعيش أحداث عنف استهدفت بعض مقرات السيادة والأملاك العامة والخاصة ومقرات الأحزاب والاتحاد العام التونسي للشغل وأعوان الأمن والمواطنين.. تأتي هذه الأحداث وبلادنا تتجه بخطى ثابتة وسريعة نحو انجاز دستورها الجديد واستكمال بناء مؤسساتها الدستورية وفي إطار مؤشرات ايجابية للاقتصاد الوطني، وفي فترة الامتحانات وموسم فلاحي وسياحي واعد. وهذه ليست المرة الأولى: كل مرة تدخل فيها تونس مرحلة التعافي تبرز مثل هذه الأحداث».
وشدّد على أن «كل هذا يهدد استقرار الوطن ويضعف من فرص الخروج سريعاً من الأزمة الاقتصادية ويصب في مصلحة أعداء الثورة الذين لم يهضموا أن تونس أفلتت من بين براثنهم وبراثن الفساد والقهر والظلم لتصبح دولة لها شعب، وشعب له دولة»، وأضاف: «كذلك نحن ندين بمنتهى الشدة هذه الاستفزازات لأنها تضرب الوحدة الوطنية وهي أثمن شيء يجب أن نحافظ عليه... ونحن كذلك ندين عنف مجموعات الغلو وتهديدها غير المقبول للحريات وسماحها لنفسها بتعويض مؤسسات الدولة ومحاولة الهيمنة على بيوت الله، والحال أن تونس الديمقراطية فتحت اليوم المجال السياسي المدني لكل من يرغب في المشاركة في بناء الوطن».
وأضاف بيان الرؤساء: «إننا ندين هذا العنف الذي تمارسه هذه المجموعات، سواء كان جسديا مباشرا أو بالترهيب، وإن هيبة الدولة تفرض مواجهتها بكل الوسائل القانونية. علما وأن هذه الجماعات المتطرفة هي نفسها مخترقة من قبل الإجرام، يموّلها الخائفون من المحاسبة وتطبيق القانون، أي فلول العهد البائد، وهدفهم إرباك السلطة وإثارة الفزع بين المواطنين، وإفشال المسار الانتقالي الحالي».
وأردف البيان الرئاسي أن «رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس الوطني التأسيسي ورئاسة الحكومة العاملة باجتهاد من أجل مصلحة البلاد وكل القوى الوطنية، تقف اليوم صفا واحدا ضد دعاة الفوضى والتطرف، وتدعوكم إلى تفويت الفرصة على المستفزين والمتطرفين والانتصار نهائيا على أشباح النظام القديم بالوحدة والتآزر». كما دعت الرئاسات الثلاث «كل القوى المتشبثة بالوحدة الوطنية والرافضة للفوضى والعنف من أحزاب ومنظمات ونقابات إلى رص الصفوف وفتح كل سبل الحوار لمواجهة الأخطار، متحدين ومحافظين على الشرعية والديمقراطية». واعتبرت ما جرى الثلاثاء الماضي بأنه «امتحان آخر نمر به، ولكنه سيمر مثل الامتحانات التي سبقته، وسنتجاوزه بإرادتنا في حماية بلادنا ومقدراتنا».
تصد بقوة
وأكد بيان المرزوقي وبن جعفر والجبالي أن «الجيش وجهاز الأمن سيتصديان للتجاوزات والعنف مهما كان المصدر وبما يلزم من الصرامة في إطار احترام القانون والالتزام بقيم الجمهورية». ودعا التونسيين الى الثقة في الدولة والنظام الحاكم « ثقوا تمام الثقة في وحدة القيادة السياسية».
وعلمت «البيان» ان اجتماعا أول انعقد بين الرؤساء الثلاثة ظهر الثلاثاء، وكان من المنتظر ان تصدر عنه كلمات مصورة الى الشعب التونسي إلا أنه تم الاستغناء عن الفكرة والتوجيه لوزير الداخلية علي العريض بإلقاء كلمة امام المجلس الوطني التأسيسي الذي كان في جلسة عامة مفتوحة.
قتيل واعتقالات
وفي تفاصيل المواجهة الأمنية مع الاعتداءات الارهابية، توفي شاب في الثانية والعشرين من العمر (اسمه فهمي العويني) مساء الثلاثاء متأثرا بإصابته برصاصة في رأسه خلال المواجهات التي وقعت في سوسة شرق.
ويكون العويني بالتالي اول قتيل يسقط جراء موجة العنف التي شهدتها تونس الاثنين والثلاثاء. ولم يحدد المستشفى ما إذا كان القتيل من مثيري الاضطرابات.
إلى ذلك، أفادت وزارة الداخلية بأنّها أوقفت 162 شخصا من المتورطين في أحداث العنف التي اجتاحت تونس ليل الاثنين وتواصل طوال نهار الثلاثاء وليله وانحسرت صباح أمس.. في ضوء قرار حظر التجوال ليلاً في العاصمة وسبع محافظات الذي اتخذته وزارتا الدفاع والداخلية.
وكان لافتاً ان الوزارتين لم تحددا مدة هذا الحظر.. ولوحظ تجدد المواجهات أثناء الليل في بعض الأحياء بأحواز العاصمة مثل: حي التضامن والكرم والمرسى، ما اضطر قوات الأمن إلى اللجوء للغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين.
تخوّف
في الأثناء، علمت «البيان» ان وزارة الداخلية التونسية حصلت على معلومات استخباراتية بوجود مخطط لبث الفوضى في البلاد واستهداف عدد من المؤسسات العامة و الخاصة والمنشآت الحكومية، وأن بعض الحركات المتطرفة تعمل على إرباك الدولة وشل مفاصلها، الأمر الذي دفع بالحكومة الى إعلان حظر التجوال في ولايات تونس وأريانة ومنوبة وبنعروس وسوسة والمنستير وجندوبة، اضافة الى معتمدية بنقردان من ولاية مدنين واتخاذ الحيطة والحذر في بقية الولايات.
وقالت مصادر مطلعة لـ «البيان» ان وزارة الداخلية التونسية حصلت على معلومات موثقة بوجود تحركات مخطط لها لتنظيم القاعدة في تونس بالتنسيق مع جماعات متطرفة في دول الجوار، وأن هناك جماعات مسلحة تنتظر إطلاق إشارة بث الفوضى في البلاد من اجل تحييد الدولة وتحويل تونس الى ساحة للتنظيم المتطرف يتم استغلالها في توجيه ضربات للدول المجاورة ودول الضفة الشمالية للبحر الابيض المتوسط.
وأكدت المصادر، التي آثرت عدم الكشف عن هويتها، أن تنسيقاً يجري بين جماعات تونسية وليبية تابعة لتنظيم القاعدة، وان مئات من التونسيين تلقوا تدريبات عسكرية في مناطق الشرق الليبي، وخاصة في مدن: درنة والبيضاء وشحات.
وأكدت المصادر ذاتها ان الحكومة التونسية اتخذت قرارا بمواجهة الجماعات المتطرفة، وأنها لا تستبعد امكانية حصول مواجهات مسلحة خلال الايام القليلة المقبلة، خصوصا بعد توفر معطيات عن وجود جماعات من تنظيم القاعدة تستعد للقيام بعمليات ارهابية داخل البلاد في إطار مخطط اقليمي يتجاوز الساحة التونسية الى الدول المجاورة.
وكان وزير الداخلية التونسي علي العريض نبّه الى ضرورة أن يستعد الشعب التونسي الى كل الاحتمالات بما في ذلك تقديم تضحيات، كما قال وزير العدل نورالدين البحيري إن الفسحة انتهت بالنسبة للجماعات السلفية المتطرفة.
وكان العريض أوضح، امام المجلس الوطني التأسيسي، أن التقارير الأمنية أفادت بأن الشباب السلفي الذي عمد إلى التكسير وإحراق مقرات السيادة كان مسلحا بقنابل حارقة (مولوتوف) والسلاح الأبيض إلى جانب تسجيل وجود عدد كبير من المنحرفين الضالعين في شبكات المخدرات والسطو والإجرام، في عمليات الاعتداء والتخريب.
وذكر وزير الداخلية أن أحداث الشغب وحالات الانفلات كانت لاتزال متواصلة نسبياً أمس في بعض الأحياء الشعبية بالعاصمة ومنها حي الانطلاقة. واتهم من وصفهم بـ «غلاة السلفية بالوقوف وراء أحداث العنف والتطاول على هيبة الدولة».
استنكار
استنكرت وزارة الشؤون الدينية التونسية الاعتداءات المتكرّرة التي تستنفر مشاعر المسلمين سواء على المستوى الوطني أو في أنحاء المعمورة.
وحذّرت الوزارة، في بيان تلقت «البيان» نسخة منه من «مغبّة ما قد ينجرّ عن هذه التّصرفات من تهديد للوحدة الوطنيّة والسلم الاجتماعي، ومن استفزازات صارخة للضمير الإسلامي وحقوق الناس، إذ إنّ المقدّسات الإسلاميّة خطّ أحمر لا يجوز لأيّ كان ومهما كان تجاوزه بالتّصريح أو بالتّلميح، وهي التي ضحّى الشعب التونسي بقوافل الشهداء الكرام من أجلها»
واعتبرت «هذه الممارسات وأمثالها محاولة يائسة وفاشلة لضرب رمزيّة الثورة المباركة وتعطيل مسارها وإعاقتها عن تحقيق أهدافها».
«العمال» الشيوعي: الحكومة متراخية
اتهم حزب العمال الشيوعي التونسي، بزعامة حمة الهمامي، الائتلاف الحاكم بالتعامل مع تحركات الجماعات السلفية والمتطرفة «بتراخ».
وقال الحزب إن هذا التراخي الذي وصفه بالـ «مفضوح» عمّق حالة الاستياء في الأوساط السياسية والمجتمع المدني رغم لغة الوعيد التي استعملها بعض رموز السلطة «بهدف درء وإبعاد تهمة تواطؤ السلطة مع هذا التيار الذي أصبح طليق اليدين وخارجا تماما على القانون دون حسيب أو رقيب».



