عادت لغة التوتر لتسيد الموقف في مدينة طرابلس اللبنانية الليلة قبل الماضية وأمس، مع مقتل ثلاثة أشخاص في اشتباكات مذهبية بين حيي بابا التبانة والقبة، بغالبيتهما السنية، وحي جبل محسن، بغالبيته العلوية، فضلاً عن مقتل جندي في المدينة، لترد أجهزة الدولة بترأس الرئيس ميشال سليمان اجتماعاً للمجلس الأعلى للدفاع، وبتحذير الحكومة، على لسان رئيسها نجيب ميقاتي، من «الانجرار إلى السلوك الشوارعي»، مع تأكيد الجيش على أنه سيتعامل «بحزم وقوة مع العابثين بأمن طرابلس».
وافاد مصدر امني لبناني، طلب عدم الكشف عن هويته، في تصريحات صحافية ان المواجهات بين حيي باب التبانة، السني، وجبل محسن، العلوي، في مدينة طرابلس الشمالية، تواصلت أمس بعد أن كانت اندلعت الليلة قبل الماضية. ففي باب التبانة، قضى رجل اثناء مواجهات بين سكان الحي المناهضين للنظام السوري، وبين سكان جبل محسن المؤيدين لدمشق.
كما قتل احد سكان حي القبة، ذي الغالبية السنية، اثناء صدامات مماثلة اسفرت عن اصابة عشرة بجروح. وفي حادث منفصل، قتل ضابط في الجيش اللبناني بيد قناص بعد تبادل لاطلاق النار الليلة قبل الماضية بين الجيش وشبان كانوا يتظاهرون في طرابلس مطالبين باطلاق سراح شاب تتهمه السلطات اللبنانية بـ«الارهاب».
ونصب مئة من الشبان خياما عند المدخل الجنوبي لطرابلس وحملوا العلم السوري القديم الذي يستخدمه ثوار سوريا، مطالبين بالإفراج عن شادي المولوي، 27 عاما، الذي اعتقلته السلطات بتهمة «تواصله مع تنظيم ارهابي». واكد المتظاهرون من جهتهم ان المولوي من انصار الحركة الاحتجاجية في سوريا.
وقال نزار المولوي شقيق شادي لوكالة «فرانس برس»: «لن نفض الاعتصام قبل اطلاق سراح شقيقي شادي الذي اعتقلته قوى الامن الداخلي اللبنانية». وحصل اطلاق نار عندما حاول المتظاهرون المؤيدون لحركة الاحتجاج في سوريا الاقتراب من مقر تابع للحزب السوري القومي الاجتماعي وهو حزب لبناني يناصر نظام دمشق.
دعوة وتأكيد
وعلى الفور، ترأس الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان اجتماعاً للمجلس الأعلى للدفاع في القصر الجمهوري بعبدا. وأشار بيان رئاسي أن سليمان «تابع التطورات الامنية التي شهدتها طرابلس منذ بدايتها مع المعنيين ومع قادة الاجهزة الامنية والعسكرية».
ومن جهته، دعا رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي في تصريح صحافي الى «التشدد في ضبط الوضع الأمني وإعادة الهدوء الى المدينة»، مؤكدا انه «لا يجوز تصوير مدينة طرابلس وكأنها خارجة على الشرعية والدولة».
وقال ميقاتي: «سنكون دائما الى جانب العدالة والمظلومين»، محذرا من «الانجرار إلى السلوك الشوارعي الذي لا يتلاءم مع قيم طرابلس ومبادئها، فالعدالة وحدها كفيلة بانصاف الناس».
بدوره، ناشد رئيس تكتل «لبنان اولا» النيابي ورئيس الوزراء السابق سعد الحريري الاهالي في طرابلس «التزام الهدوء وعدم الانجرار وراء الاستفزاز». وشدد الحريري على ان ما حصل في طرابلس «مرفوض، والسلطة معنية بمعالجة الأمر»، مؤكدا «رفضه التام للانجرار إلى الفوضى»، وداعياً الجيش اللبناني الى «تحمل مسؤوليته بحماية المدينة والمواطنين».
كما أعلنت قيادة الجيش اللبناني في بيان أنها «ستتعامل بحزم وقوة مع العابثين بأمن طرابلس»، وأن وحدات الجيش «ستستمر في تعزيز إجراءاتها الأمنية وتعقب المسلحين في المدينة لإعادة الوضع إلى طبيعته بصورة تامة بعض النظر عن الجهة التي ينتمون إليها».
خلفية
يوصف باب التبانة وجبل محسن بأنهما «حجز زاوية» التوتر السياسي في لبنان، حيث تعود خلافاتهما إلى الوجود العسكري السوري منتصف السبعينات. ويشتكي باب التبانة من تمييز مورس ضدهم من قبل النظام السوري لصالح جبل محسن، متهمين سكان الحي والجيش السوري بـ«العنصرية الطائفية».
واستمرت التوترات بين الحيين بعد انسحاب القوات السورية العام 2005، حيث تدور الاشتباكات بين الفينة والأخرى، سرعان ما تهدأ بتدخل الجيش اللبناني.







