في الوقت الذي تنسحب فيه الولايات المتحدة من العراق وافغانستان، منهية بذلك حروبا مزمنة استنزفت القوة السياسية والتأثير الدولي للبلاد، فإنها تحول تركيزها إلى منطقة آسيا- الباسيفيك.

    وتعكس الحربان باهظتا التكلفة والداميتين التعارض فى العقلية الأمريكية بين "حتمية الفوز" و"عدم تحمل الخسارة"، لتكشف قابلية كسر أعتى قوة عسكرية في العالم.

    كما أكدت الحربان الجهد المثابر للبلاد للمحافظة على وضعها المهيمن عالميا، وهي سياسة خارجية لم تتغير لعقود.

    وإذا ما استمرت الولايات المتحدة في السعي للهيمنة العالمية على حساب مصالح الدول الأخرى، فربما تواجه المزيد من الانهيار المذل لقوتها ومكانتها.

    خسائر الحربين

    وكانت الحربان في أفغانستان والعراق، اللتان بدأتا في 2001 و2003 على التوالي، للإطاحة بنظامي طالبان وصدام، باهظتي التكلفة بشكل مؤلم في الأموال والارواح. فقد قتل أكثر من 6300 جندي امريكي، في حين أصيب قرابة 40 ألفا بإصابات خطيرة.

    وعلى صعيد متصل، تم إنفاق 1.3 تريليون دولار في الحربين، ولا يزال العدد في تزايد، وفقا لآخر تقدير أصدره الجهاز البحثي التابع لمجلس الشيوخ.

    ومنذ الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، قفزت ميزانية الدفاع الأمريكية من 304 مليار دولار إلى 616 مليار في 2008، بالاضافة إلى انفاق 75 مليار دولار اخرى سنويا على الإجراءات المحلية لمكافحة الإرهاب.

    وغاصت البلاد الآن فى الديون، بسبب تفاقم الأزمة المالية العالمية الأخيرة. وقفز الدين الفيدرالي من 5.6 تريليون دولار في 2001 إلى مستواه الحالي وهو مايزيد على 15 تريليون دولار.

    ويقول بعض الناس إن الحربين وجهتا ضربة للقاعدة وغيرها من الجماعات الإرهابية وجنبت الولايات المتحدة خطر التعرض لضربة إرهابية كبيرة أخرى.

    ولكن كما قال ميلفين ليفلر، أستاذ التاريخ في قسم السياسة الخارجية الأمريكية في جامعة فيرجينيا، لوكالة ((شينخوا)) للأنباء إن الولايات المتحدة "عانت أكثر مما كسبت" على الأقل على الأجلين القصير والمتوسط.

    وإن عجز الولايات المتحدة عن تحقيق أهدافها في العراق وأفغانستان وضع الحرب موضع الشك وأضر بالنفوذ الأمريكي.

    وربما لايكون من المبالغة القول إن كلا الحربين كانا نوعا من الإذلال بالنسبة لأكبر قوة في العالم.

    وقال تيد كاربينتر، وهو باحث في معهد كاتو ومقره واشنطن، ل ((شينخوا)) "إنهما (الحربان) لم يصلا فى السوء إلى الحد الذى كانت عليه حرب فيتنام في السبعينات، بيد أنهما كانا سيئين بما يكفى لتوجيه ضربة لمكانة الولايات المتحدة".

    وفى الوقت ذاته، فقد أفسدت الحربان أيضا التوازن الاستراتيجي الاقليمي. كما تأججت المشاعر المناهضة للأمريكيين بين المسلمين، في الوقت الذي زاد فيه تأثير ايران في الشرق الأوسط. ولم يقل عدد الهجمات الارهابية بقدر كبير عالميا، ولم يتحسن الوضع الأمني في العالم بشكل ملحوظ.

    ويبدو أن الامريكيين لديهم وجهات نظر متعارضة بشأن الحرب. ففي حين تمتلك الولايات المتحدة القوة العسكرية الأقوى في العالم، فإنها مستعدة لدحر أي منافس، بيد أنه مع زيادة الخسائر، تزايد نفاد الصبر لدى المواطنين والنخب السياسية على السواء في ظل ما يرونه "ثقوب عسكرية سوداء".

   انسحاب لا مفر منه

    وفي الوقت الذي يرى فيه الكثير من صانعى القرار السياسي أن الحربين يعتبران عبئا ثقيلا على قوة الولايات المتحدة ومنزلتها الدولية، تتزايد مشاعر الجماهير المناهضة للحرب، وسط ركود اقتصادي ومعدلات بطالة مرتفعة، ويطالب المزيد من الأمريكيين يطالبون بنهاية سريعة للحربين.

    وقال وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كسينجر في خطاب ألقاه في واشنطن العاصمة الشهر الماضي، "لقد انتقينا أهدافا تفوق قدرة التوافق الداخلى فى بلادنا على دعمها فى الفترة المطلوبة لتنفيذها"، مستشهدا بالتدخلات في شبه الجزيرة الكورية وفيتنام والعراق وأفغانستان.

    وقال محللون إن "الحربين الذين لايمكن كسبهما"، تضاف إليهما الصعوبات الاقتصادية، جعلت انسحاب القوات من العراق وأفغانستان أمرا لا مفر منه.

    وفي 22 يونيو الماضي، أعلن الرئيس باراك أوباما أن 10 آلاف جندي امريكي سيغادرون أفغانستان بحلول نهاية العام الجاري، وسيعود 23 ألفا آخرون إلى البلاد في سبتمبر 2012 والهدف الواضح هو نقل المسؤولية الأمنية إلى القوات الافغانية بحلول 2014.
    وفي 21 أكتوبر الماضي، قال أوباما إن انسحاب القوات الأمريكية من العراق سينتهي بحلول نهاية العام، منهيا بذلك حربا استمرت قرابة تسعة اعوام.

    وعلى الرغم من التخفيض الكبير فى القوات واقتراب إنهاء المشاركة الأمريكية، فإن الاضطرابات لاتزال مستمرة في كلا البلدين.

    فالعراق الآن دولة ضعيفة تعاني من استقرار هش وضعف الوحدة. وهذا لا يحقق الهدف الامريكي في تحويلها إلى ديمقراطية مستقرة موالية للغرب. ومؤخرا لم تتمكن امريكا حتى من ابرام اتفاقية مع العراق للسماح لمدربيها العسكريين بالبقاء هناك.

    وربما تكون المرحلة الأخيرة في أفغانستان أسوأ. فبعد 10 سنوات من القتال، لايتضح هناك سوى منافع قليلة، حيث تتزايد الإشارات إلى إمكانية عودة أفغانستان إلى طبيعتها المشاكسة.

    ومن المحتمل أن يظل البلدان صداعا في رأس الولايات المتحدة.

    تطلع أقوى نحو آسيا

    وفي الوقت الذي تنسحب فيه القوات من افغانستان والعراق، تتطلع الولايات المتحدة إلى توسيع تأثيرها في منطقة آسيا-الباسيفيك، وهو ما أشارت إليه زيارة أوباما الأخيرة إلى آسيا.

    وقال محللون إن السياسة الخارجية الامريكية تحرك تركيزها باتجاه اسيا-الباسيفيك في تعديل استراتيجي.

    ويكشف تاريخ السياسة الخارجية الامريكية نموذجا ثابتا للبلاد يعبر عن نفسه فى إحداث تغييرات هامة في السياسة عقب الإخفاقات في الحروب والصعوبات الاقتصادية، حيث  تسعى الى انتشال نفسها من المستنقع واستعادة الهيمنة العالمية.

    واستشهد الدكتور ليفلر بمثال السبعينات، عندما عانت الولايات المتحدة من الهزيمة في فيتنام، وعانت من معدل مرتفع للتضخم، وتزايد معدلات البطالة، وأزمة النفط.

    وقال الخبير إن الولايات المتحدة وقتئذ "أعادت ضبط قدراتها"، بما في ذلك تحسين العلاقات مع الصين وإعادة تشكيل وضعها العسكري.

    وأضاف "وفى نهاية الأمر في الثمانينيات، برزت كقوة مهيمنة في النظام العالمي".
    وبشكل مشابه فإن أوباما أشار عقب توليه المنصب في 2009، إلى أنه سينهي الحروب في العراق وافغانستان، في الوقت الذي كشف فيه عن سياسة "العودة إلى آسيا".

    وقال كينيث ليبرثال، المدير البارز السابق في البيت الأبيض بشأن الشؤون الآسيوية والمدير الحالي لمركز جون ثورنتون الصين في معهد بروكينجزلوكالة ((شينخوا)) للأنباء "عندما تولى الرئيس أوباما منصبه، اعتنق فكرة ان الولايات المتحدة حولت العديد من الموارد والكثير من الاهتمام الزائد للحربين في العراق وافغانستان".

    وفي الحقيقة، أن آسيا أصبحت المنطقة الأكثر ديناميكية في العالم خلال السنوات العشر الماضية، حيث تمتلك حوالي 50 في المائة من الناتج الاقتصادي في العالم. وكما اشارت وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كيلنتون في كلمتها الاخيرة خلال قمة ابيك "إنه اصبح من الجلي بشكل كبير في القرن الحادي والعشرين، إن مركز الجاذبية الاستراتيجي والاقتصادي في العالم سيكون آسيا-الباسيفيك".

    وتعكس سياسة "العودة إلى آسيا" التي تتبعها أمريكا واقعا اقتصاديا وجيوسياسيا عالميا متغيرا. ففي الوقت الذي تزايدت فيه أهمية آسيا في الاقتصاد العالمي، لا تريد الولايات المتحدة بالطبع أن تفوت هذه "الوليمة الفخمة".

    والأكثر من ذلك، أن هناك سببا واضحا آخر وراء هذا المجهود "للعودة إلى آسيا"، وهو المخاوف الامريكية بشأن النمو السريع للصين.

    وبلا شك، فإن هناك إحساسا بالقلق بين النخب السياسية في واشنطن بشأن الصين الصاعدة. ويقول كاربينتر إن تلك المخاوف ستبقى لأن "جزءا من هذا هو الدينامكية الموجودة بين سيطرة قائمة وقوة عظمى صاعدة".

    ومع ذلك، فإنه يتعين على الولايات المتحدة ان تعي الدرس من اخفاقاتها المتعاقبة في السياسة الخارجية في الماضي. ووسط فضاء اقتصادي واستراتيجي عالمي، اذا استمرت  الولايات المتحدة في العناية فقط بمصالحها الخاصة وحاولت أن تفرض رأيها فى كل شيء، في الوقت الذي تتجاهل أو تقمع المصالح المشروعة للدول الأخرى، فإنها فلن تجني إلا اخفاقات أكثر أو إذلالا في المستقبل.

    ويجب على القادة الامريكيين أن يتقبلوا الواقع القائل أن الصين ستقوم بدور أكثر فاعلية في آسيا باعتبارها قوة صاعدة، بحسب ما قال كاربينتر.