في أواخر أكتوبر 2008، وعشية الانتخابات التي صعدت به إلى البيت الأبيض، طرح الرئيس الأميركي باراك أوباما بعضا من أكثر التصريحات السياسية الأميركية صراحة ووضوحا، من جانب أي مرشح للرئاسة، بشأن الصراع في منطقة كشمير المتنازع عليها بين الهند وباكستان.

وفي لقاء صحافي مع مجلة «تايم» الأميركية اعترف أوباما بأن الصراع الكشميري هو «حفرة قطران محتملة بوضوح» وأضاف: «بالنسبة لنا في أميركا، لن يكون الأمر سهلا، لكنه من المهم، تخصيص موارد دبلوماسية جوهرية، لإرسال مبعوث خاص إلى المنطقة، لمحاولة التوصل إلى توجه معقول، وإبلاغ الهنود.

بالقول: أنتم على وشك أن تصبحوا قوة اقتصادية عظمى، فلم إذن تواصلون العبث في هذا الشأن؟ ومخاطبة الباكستانيين بالقول: انظروا إلى الهند وما تفعل، فلم إذن تريدون أن تظلوا عالقين بهذه القضية في وقت يأتيكم أكبر تهديد لكم من الحدود الأفغانية؟ أعتقد أن هناك لحظة سيمكننا فيها لفت انتباههم.

انتفاضة شعبية

كان من المنعش الاستماع إلى سياسي أميركي يتحدث بصدق وجدية عن كشمير. فمنذ العام 1989، عندما تفجرت انتفاضة شعبية ضد الحكم التعسفي الهندي، كان التجاهل الأميركي هو مصير العنف في كشمير، الذي غالبا ما لفه الصمت. وكان سبب ذلك بشكل جزئي، أن كلا من حكومتي الهند وباكستان لم تكونا راغبتين في تسليط الضوء على تورطهما في الصراع.

وقد حفزت استخبارات الجيش الباكستاني حرب عصابات منخفضة الحدة عن طريق تمويل وتسليح متشددين وتسهيل تسللهم إلى وادي كشمير.

وردت الهند بحملة وحشية لوقف التمرد، تضمنت في أقصى مراحلها الاستخدام المنظم للتعذيب والقتل من دون حساب.لقد خفت حدة هذه الحملة، في الآونة الأخيرة، وتحسن سجل الحكومة الهندية في مجال حقوق الإنسان، ولكن ليس بدرجة كافية.

وباتت احتجاجات تفجرت هذا الصيف نتيجة قتل متظاهرين غير مسلحين بالرصاص، الأعنف من نوعها منذ سنوات عدة. وبحلول منتصف أغسطس الماضي، كان قد تم قتل ما لا يقل عن خمسة وخمسين شخصا.

وارتكب الكشميريون أعمال شغب أيضا، لكن المسؤولية واللوم في ارتفاع محصلة القتلى يقعان على عاتق الأداء السيئ لعناصر القوات شبه العسكرية الهندية، الذين يتسم أسلوبهم في تفريق التظاهرات والسيطرة عليها، في الغالب، بإطلاق النار على الحشود، من دون تمييز.

وقد قتل ما لا يقل عن 45 ألف شخص بطريقة وحشية في كشمير منذ العام 1989. وتواصل جماعات حقوق الإنسان المحلية العثور على مقابر جماعية لا تحمل أي علامات، وبها جثث شبان صغار السن، قتلوا خلال تظاهرات أو داخل السجون الهندية.

وقد خلف الضحايا وراءهم أكثر من 30 ألف يتيم، بحسب «مجموعة الأزمة الدولية»، علاوة على ألوف الأرامل، وما لا يقل عن ألف «نصف أرملة»، وهن نساء يعتبر أزواجهن من المفقودين، ولم يثبت مقتلهم.

الصراع يتمدد

وقد خرج الصراع مجددا عن نطاق كشمير. فبعد شهر واحد من مقابلة أوباما، في السادس والعشرين من نوفمبر 2008، وصل عشرة مسلحين في قوارب إلى الشاطئ عند ساحل مومباي، وانخرطوا في عمليات قتل «تلفزيونية» على مدى ثلاثة أيام، أسفرت عن مقتل 175 شخصا، بينهم تسعة من المسلحين.

وأفادت الأدلة التي قدمت في المحاكم الهندية والباكستانية بأن المسلحين ينتمون إلى جماعة «عسكر طيبة»، وهي أكبر الجماعات التي أسستها وترعاها باكستان لخوض الحرب في كشمير.

وأثبت هجوم مومباي أن الجماعات المسلحة في نزاع كشمير تزداد جرأة. وقد يلجأ بعضها إلى إثارة حرب هندية باكستانية.رغم ذلك، لم يتصرف الرئيس أوباما بمقتضى التحليل الذي قدمه، وهو لا يزال مرشحا للرئاسة.

وفي أوائل عهد إدارته، خضعت واشنطن لرغبة الهند، عندما اعترضت على خطة استكشافية لوضع كشمير ضمن مسؤوليات ريتشارد هولبروك، مبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى أفغانستان وباكستان. ومنذ ذلك الحين، عملت إدارة أوباما بهدوء لتشجيع إجراء محادثات سلام بين الهند وباكستان، من دون أي انفراجة.

وبمرور الشهور، انشغل فريق الأمن القومي للرئيس الأميركي بتدهور مسار الحرب في أفغانستان، والتمرد الذي تقوده طالبان في باكستان. ولم يكن من الواقعي الاهتمام بمشكلة كشمير القديمة والمعقدة في ظل تلك الظروف. لكنه لا يزال ضروريا على كل حال.

كانت هجمات مومباي تحذيرا. لقد سعت السياسة الأميركية دوما إلى تجزئة كشمير واعتبارها مشكلة مستقلة عن حرب أفغانستان، وتهديد «القاعدة»، والعنف الداخلي في باكستان. ولكن هذه السياسة لم تعد تتسق مع الحقائق، وهذا الفشل يهدد الأمن الأميركي بشكل مباشر.

فالأميركيون الذين تلقوا تدريبات في باكستان، أخيرا، أجروا اتصالات بجماعات ناشطة في كشمير أيضا. والسياسة الأميركية عفا عليها الزمن أيضا، فيما يتعلق بالأوضاع داخل كشمير نفسها، خاصة مع ظهور احتمالات جديدة للتوصل إلى تسوية دائمة.

صك الانضمام للهند

منذ بدايته، مثل الصراع الكشميري خليطا مربكا من الدبلوماسية الظاهرة والحرب الخفية. كانت جامو وكشمير واحدة من إمارات ذات سيادة نظريا، وكانت متحالفة مع الحكم البريطاني الآخذ في الانهيار، ولم تكن قد قررت شكل مستقبلها عند منتصف ليلة 15 أغسطس 1947، عندما أصبحت كل من الهند وباكستان دولتين مستقلتين.

شن الجيش الباكستاني هجوما وصل إلى تخوم سريناغار عاصمة المنطقة، فلجأ حاكمها الهندوسي إلى الهند طالبا المساعدة. فتمسكت الهند بعدم مساعدته حتى يوقع صكا بضم المنطقة إلى السيادة الهندية، وهو ما فعله في أواخر أكتوبر من العام نفسه. ولم تقبل باكستان بصحة هذا الإجراء، بينما تتمسك الهند به.

كان من المتعارف عليه لفترة طويلة أن ضباط الجيش الباكستاني لهم دور مهم في تأييد الهجوم الذي أفزع حاكم جامو وكشمير ودفعه للجوء إلى الهند، مما أدى إلى نشوب صراع عمره الآن ستة عقود.

وفي كتاب «حرب الظل، تاريخ جديد لتورط باكستان في العنف في كشمير» يقدم الكاتب عارف جمال وجهة نظر مثيرة، تظهر أن مهندسي الحرب السرية الباكستانيين لم يغيروا أساليبهم، تقريبا، حتى يومنا هذا. ويقول إن المحرك الرئيسي لعمليات التسلل عبر الحدود كان هو جنرال أكبر خان، الذي كان يتخذ اسما حركيا هو «جنرال طارق».

ولم يكن خان يطلع رؤساءه دائما على ما يقوم به، وقد قام بتحويل وجهة ذخيرة من مسارها الطبيعي إلى عناصر الجيش الباكستاني، وقاد مع ضباط آخرين، عمليات التوجيه لقوات القبائل.

وخلال التسعينات، وعندما تعثرت جماعات المجاهدين الكشميرية، وبدأت تتبنى تفكيرا مستقلا، أسست الاستخبارات الباكستانية قوة أكثر ولاء لها، هي جماعة «عسكر طيبة».

وتعززت ثقة الجيش الباكستاني غير المسؤولة في إمكانية السيطرة على كشمير من خلال القوة في العام 1999، عندما اقتحمت مرتفعات كشمير الشمالية، قرب منطقة كارجيل، بواسطة جنود باكستانيين متخفين في زي فدائيين كشميريين.

وخلال الحرب غير المعلنة التي استمرت شهرا، تزايد قلق واشنطن من تطورها إلى حرب نووية، مما دفع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلنتون إلى التدخل لحض باكستان على الانسحاب.

التوجه الأميركي

القضايا الدبلوماسية المحيطة بالصراع الكشميري لم تتغير إلا قليلا، على مدى عقود عدة. والآن، على واشنطن أن تعيد دراسة توجهها نحو الصراع الكشميري، وعليها أن تعود إلى اللهجة التي استخدمها أوباما في لقائه مع مجلة «تايم»، وتعتمد الحديث الصادق بشأن مشكلة صعبة بلا جدال.

تتفق أميركا والهند على أهمية وجود دولة باكستانية مستقرة ومزدهرة اقتصاديا وذات جيش يؤمن بأن من مصلحة باكستان وقف تشجيع العنف في أفغانستان والهند. ومن أجل ذلك يجب نزع سلاح جماعات مثل «عسكر طيبة»، وحظرها، ووقف تمويلها.

ومن الصعب تصور التوصل إلى انجاز كهذا، في غياب تسوية سياسية ترضي الأغلبية العظمى من الكشميريين، وتقدم فوائد اقتصادية لباكستان. وعلى الرئيس أوباما وفريقه بلورة هذا البديل للوضع القائم حاليا أمام الشعبين الهندي والباكستاني.

كما أن عليهم أن يحملوا الاستخبارات العسكرية الباكستانية المسؤولية، عند توفر دليل كاف على أنها تواصل تسليح الميليشيا المقاتلة في أفغانستان وكشمير. وتمثل كشمير حالة خاصة يمكن من خلالها قياس أداء الاستخبارات الباكستانية، حيث لا يمكن للمسلحين العبور إلى الهند من دون مساعدتها.

وعلى الولايات المتحدة ألا تتعامل بمعيار مزدوج فيما يتعلق بانتهاكات الهند في مجال حقوق الإنسان، وحصانة قوات الأمن الهندية من العقاب في داخل كشمير، وتتحدث بوضوح عن ذلك، وعلى نطاق أوسع حول الفوائد التي ستجنى من تسوية سياسية نهائية وتطبيع العلاقات الهندية الباكستانية.ولا تحتاج أميركا للتدخل المباشر في الصراع الكشميري.

وهي تحتاج بدلا من ذلك إلى استعادة إحساسها بحساسية الوضع ونموذج قيادتها الدولية، التي صبغت تعاملها مع الصراع الكشميري في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

ترجمة ـ عصام بيومي

بقلم ـ ستيف كول